الصفحة 273 من 285

ودليل الإمكان إما تماقل الأجسام، فيجوز الخرق على السماء، كالأرض وعروج الإنسان كغيره، وإما عدم دليل الامتناع، وأنه لا يلزم من فرض وقومه محال، وأيضًا لو كان دعوى النبي - صلى الله عليه وسلم - المعراج في المنام أو بالروح لما أنكره الكفرة غاية الإنكار، ولم يرتد بعض من أسلم ترددًا منه في النبي - صلى الله عليه وسلم -.

فأشار الإمام في المقام بالاكتفاء بذكر معجزين باهرتين من معجزات نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى إثبات نبوته بالمعجزات من باب برهان (الإنّ)

وتقريره: على ما في شرح المقاصد وغيره أنه - صلى الله عليه وسلم - ادّعي النبوة وأظهر المعجزة، وكل من كان كذلك فهو نبيٌّ، أما دعوى النبوة فبالتواتر والاتفاق حتى جرت مجرى الشمس في الوضوح والإشراق، وأما إظهار المعجزة، فلأنه أتر بالقرآن وأخبر عن المغيبات، وأظهر افعالا على خلاف المعتاد، وبلغت جملتها حد التواتر، وإن كانت تفاصيلها من الآحاد.

وأما بيان الأول: فهو أنه - صلى الله عليه وسلم - تحدّى بالقرآن، ودعا إلى الإتيان بسورة من مثله في البلاغة والفصاحة، مصاقع البلغاء والفصحاء من العرب العرباء مع كثرتهم وشهرتهم بغاية القصبية والحمية والجاهلية، وتهالكهم على المباهاة والمباراة فعجزوا حتى آثروا المقارعة على المعارضة، وبذلوا المهج والارواح دون المدفعة، فلو قدروا على المعارضة لعارضوا، ولو عارضوا لنُقل إلينا؛ لتوافر الداعي وعدم الصارف، والعلم بجميع ذلك قطعي كسائر العاديات.

وأما بيان الثاني: فهو أنه أخبر عن المغيبات الماضية كقصة نوح وإبراهيم ولوط، وقصة موسى ويوسف وغيرهم تفاصيلهم من غير سماعٍ من أحد، ولا تلقّ من كتاب، وعن المغيبات المستقبلة كقوله تعالى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} [الفتح: 16] ، وقوله: {مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ} [الروم: 3] ، وقوله: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} [القمر: 45] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (سيغلب ملك أمتي ما زوي لي منها [1] ، (والخلافة بعدي ثلاثون سنة [2]

وإخباره بهلاك كسرى وقصير وزوال ملكها، وإنفاق كنورهما في سبيل الله، وغير ذلك مما رُوي في صحاح الأحاديث، وقد اقترنت بدعوى@

(1) رواه ابن عبد البر في التمهيد (15/ 141) ، وذكر ابن كثير في التفسير (3/ 302) ، وابن حجر في فتح الباري (7/ 293)

(2) رواه ابن حبان في صحيحه (15/ 392) ، وذكره الذهبي في السير (3/ 157) ، والشوكاني في نيل الأوطار (7/ 342) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت