ففيه إشارة إلى عموم رسالته من أصل بعثته، ولا يختص بعصر بخلاف بعثة آدم ونوح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، كما في فتح الباري، (ونبيه) : أي المخبر عنه المأمور بالإبلاغ والإنذار.
وفي المقام إشارات إلى مسائل:
الأولى: أن في عطف الوصفين في المقام مشيرًا إلى أن الرسول أخص من النبي، فإن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، كما في الشفاء.
الثانية: أنه - صلى الله عليه وسلم - جامع لهما، شرف بهما روحه قبل أرواح جميع الأنبياء؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم: (إني عند الله لخاتم النّبيّين، وإن آدم لمنجدل في طينته [1] : أي ساقط على الجدالة، وهي الأرض. وليس المعنى أنه كان خاتم الأنبياء في علم الله كما ظنّ؛ لأن المعلومية لا تختص به، بل إن الله خلق روحه قبل روح آدم وسائر الأرواح، وخلق عليه خلقة التشريف بالنبوة إعلاما للملإ الأعلى به.
الثالثة: أنه - صلى الله عليه وسلم - رسول نبيّ بعد موته، كما دلّ إطلاق صيغة بمعنى الفاعل، وبه صرّح في بحر الكلام، إما لأن النبوة صفة لروحه - صلى الله عليه وسلم -، فإن الخطاب معه وإنما البدن ألة كما في التلويح، وإليه أشار الإمام في تعريف القضية واختاره في العمدة، فهو بعد موته رسول نبي، ولا يضر انقطاع الوحي والتبليغ، فقد أكمل دينه، كما في شرح الشفاء للخفاجي. وإما لحياته كما قلا الإمام عبد القاهر االبغدادي: إن المتكلمين من أصحابنا على أنه - صلى الله عليه وسلم - حيٌّ بعد وفاته، وأنه يُبشر بطاعات أمته، كما في الدار المنظم للحافظ ابن حجر الهيتمي.
الرابعة: أن الرسالة اشرف من النبوة، كما ذهب إليه الجمهور، وإليه أشار بتقديم الوصف في المقام، (وصفيه) : أي مصطفاه، ومقرّ به المختص به بلا تعلق بغير الله في ظاهره وباطنه كما في شرح الشفاء. وفيه إشارة إلى قوله - صلى الله عليه وسلم: (إِن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم، واصطفى من ولده إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفى من بني هاشم [2] ، رواه مسلم وغير عن@
(1) رواه أحمد (4/ 127) ، والطبراني في التفسير (28/ 87) ، وعبد الله بن أحمد في السنة (2/ 398) .
(2) رواه مسلم (4/ 178) ، والترميذي (5/ 583) ، وأحمد (4/ 107) .