وأمر بمتابعته في قوله: (فاتّبعوه) ، والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعا الله في قوله: فاتّبعوهن فثبت كون الانقياد له في جميع أقواله وجميع أفعاله إلا ما خصّه الدليل طاعة الله، وانقيادا لحكم الله، كما في التفسير الكبير.
الثاني: ما أشار بقوله: (ولذلك قال تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ} [الحشر: 7] من الأمر {فَخُذُوهُ} [الحشر: 7] وتمسكوا به؛ لأنه واجب الإطاعة، {وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ} [الحشر: 7] عن إتيانه {فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] عنه، فهو عام في كل ما أتى الرسول ونهى عنه، وأمر النبي داخل في عمومه، كما ف التفسير الكبير. فلو أتى بمعصية لوجب علينا بحكم النص متابعته في فعل ذلك الذنب، وهذا باطل فذلك باطل، كما في المعالم للرازي.
وفي المقام إشارات إلى مسائل:
الأولى: أن المعصية تنزيه الله لأنبيائه بألا يخلق فيهم ذنبا كما هو المتبادر، لا ملكة تمنع الفجور، كما زعم الفلاسفة، ولا خاصة يمتنع بستتها صدور الذنب عنهم، كما زعم قوم.
وإليه أشار بقوله: منزّهون، وبيَنه الإمام أبو منصور الماتريدي بقوله: العصمة لا تزيل المحنة: أي لا تجبره على الطاعة، ولا تحجزه عن المعصية، بل هي لطف من الله تعالى مع بقاء الاختيار؛ تحقيقا للابتلاء كما في البداية.
الثانية: أن شرط النبوة: الذكورة، وكمال العقل، وقوة الرأي، والسلامة عن كل ما يخلّ بحكمة البعثة، كما في شرح المقاصد، وإليه أشار بصيغة التذكير، وتنويه الشأن في مقام البيان، وخالف في الذكورة بعض المحدثين وروى عن الأشعري.
الثالثة: أنه - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى كافة الثقلين، وسائر الرسل إلى أقوامهم، وإليه أشار في مقام البيان بقوله: قائدا لجميع خلقه من الجن والأنس، وإلى الأخذ من قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] ؛ لأن الخطاب به يعم كل الناس، وقوله: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة: 33] ، ولأنه علم بالتواتر أنه - صلى الله عليه وسلم - ادّعى البعثة إلى كل العالمين، كما في التفسير الكبير.
الرابعة: أنه - صلى الله عليه وسلم - مبعوث إلى الإنس والجن دون الملك، وإليه أشار ببيان الجميع بالفريقين، وصرّح به الحليمي والبيهقي، ونقل في تفسير الرازي والبرهان النسفي الإجماع عليه كما مرّ، ولعله إجماع المحققين، فإن لبعض المحدثين خلافا فيه.
الخامسة: أن العصمة ثبتت في جميع الأنبياء قطعا، وأما جميع الملائكة فالمختار@