وفي المقام إشاراتٌ:
الأولى: أ، الدين بمعنى أسول الشريعة فيرادف الملة.
وإليه أشار بقوله: والرسل لم يكونوا على أديان مختلفةٍ.
قال الإمام الزجاج: الملة: السّنة والطريقة، نقل إلى أصول الشرائع باعتبار أنه يمليها النبي المبعوث على من أُمِرَ بإرشادهم، ولهذا لا يختلف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها، وقد يُطلق على الباطل كما يُقال: الكفر ملة واحدة، ولاعتبار ملاحظة الأصل لا تُضاف إلى الباعث تعالى شأنه، فلا يُقال: ملة الله تعالى، ولا إلى آحاد الأمة، والدين يرادفها صدقًا، لكنه باعتبار قبول المأمورين؛ لأنه الطاعة في الأصل، وللنظر إلى وحدتهما قال تعالى: {دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ} ، وقد يتجوّز به خاصة، فيطلق على الفروع أيضًا، ومنه قوله تعالى: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5] : أي الملة القيمة.
على أن تغاير الاعتبار كاف في صحة الإضافة وعلى الطاعة المخصوصة بعمرو دون زيد نظرًا إلى الأصل، ولهذا صحَّ إضافته إلى الباعث تعالى وإلى الآحاد، ويقع على الباطل أيضًا.
الثانية: أن الشريعة بمعنى الأحكام الجزئية المختلفة.
وإليه أشار بقوله: (وكان كل رسولٍ يدعو إلى شريعة نفسه) واتّباع أحكامه التي بعث بها إلى قومه، (وينهي عن شريعة الرسول الذي كان قبله) ونُسخت أحكامه ببعثته؛ (لأن شرائعهم) وأحكامهم (كانت كثيرة مختلفة) .
فأشار إلى أن الشرائع بمعنى الأحكام الجزئية.
قال الإمام الزجاج: الشريعة هي المورد في الأصل، وهي اسمٌ للأحكام الجزئية التي يتهذّب بها المأمورون معاشًا أو معادًا، سواء كانت منصوصةً من الشارع أو راجعةً إليه، ولذلك قال تعالى: {كُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: 48] . @