لكلام أهل السنَّة، وقواعدهم المأخوذة من الكتاب والسُّنة كما ظنَّ، وإن المنع منه خلاف لدلالة الكتاب والسُّنة كما مرّ، فقد سأل عن أصوله جبريل عليه السلام بمحضر الصحابة الأعلام، وأجاب عنها خيرُ البرية تعليمًا للدين ومعالم الإسلام كمما سيأتي.
وجميع المتكلمين من سلف الأمة منذ تكلموا في هذه المسائل مع الخصوم وأثبتوا دلائلها في التصانيف لم يزيدوا على ما في الكتاب من الإشارات إلى ذلك، بل لم يستخرجوا من قعور تلك البحور وإن غاصت فيها أفكارهم عشر ما فيها من درر الحجج، وغرر المعاني والنكت، كما في فصل المعجزات من التبصرة النسفية، والآيات الدالة على إثبات الصانع وصفاته وإثبات النبوة والرد على المنكرين أكثر من أن تحصى، فكيف يقال أن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يخوضوا في هذه الأدلة وكانوا منكرين للخوض فيها كما في نهاية العقول؟!.
الثالثة: أن ما ورد في منع النظر والبحث في الأدلة غير ثابتٍ أو مؤول، فما رواه الديلمي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا كان آخر الزمان واختلفت الأهواء، فعليكم بدين أهل البادية والنساء [1] ) فقد صرّح أئمة الحديث بأن سنده واه ضعيف، وعلى تقدير هبوته يكون أمرًا بدين مأخوذ من ظاهر الكتاب والسُّنة إيجابًا على العلمة دون الخاصة؛ للدلائل الموجبة للنظر، وما اشتهر من قولهم: عليكم بدين العجائز، فلم يثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنما هو قول سفيان الثوري حين ادّعى عمرو بن عبيد المنزلة بين الإيمان والكفر، فقالت عجوزٌ: قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ} [التغابن: 2] ، فلم يجعل الله تعالى من عباده إلا الكافر والمؤمن فبطل قولك، فسمعه سفيان فقال: ذلك مستحسنًا.
وهو في الحقيقة أمرٌ باتِّباع ظواهر الكتاب والسُّنة، والاستدلال بمحكماتها كما استدلت تلك المرأة، ولو حمل على إطلاقه صار التخصيص بالعجائز لغوًا، كما في الكافية لنور الدين البخاري، ومثله في المضمرات وشرح المواقف.
ونقل السبكي عن أبي القاسم القشيري أنه قال في رسالة الرد على الكرامية: العجب ممن يقول ليس في القرآن علم الكلام وآيات الأحكام الشرعية تجدها محصورة، والآيات المنبِّهة على علم الأصول تربو على ذلك بكثيرٍ، فلا يجحد علم الكلام إلا مقلد أو ذو مذهبٍ فاسدٍ.@
(1) رواه الديلمي في الفردوس (1/ 256) ، وذكره العجلوني في كشف الخفا (2/ 92) .