قال الإمام ابن حجر الهيتمي في فتح الإله شرح المشكاة: محل الذم البليغ والزجر الأكيد ما يؤدي الخوض فيه إلى زيغٍ أو ارتكاب شبهة لا مخلص له منها، وغير ذلك من المفاسد التي كانت من أهله في زمن أولئك الأئمة، وأما بعدهم فقد بميز أهل السُّنة من أهل البدع وحرروا كتبهم فيه، واجتهدوا في قمع البدع، فلا مساغ في ذمه بل هو آكد فروض الكفايات، وإليه أشار بقوله: وما الأمر إلا ما جاء به القرآن، فإنه جاء فيه إشارات إلى النظر في أدلة اليقين، وآيات منبهة على أصول الدين،
كما قال عليٌّ كرَّم الله وجهه: (( جميع العلم في القرآن لكن تقاصر عنه أفهام الرجال [1] ) ، وأشار إلى أن المطلوب من فحوى الفقه في الدين، ما يعتقده السواد الأعظم من الأصول المأخوذة من المحكمات بقوله في الفقه الأبسط المسند بتخريج أبي يوسف وحماد أنه قال:
(ص) (وروي عن أبي هريرة عن البيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:(( افْتَرَقت بَنو إِسْرَائِيل اثْنَتَيْنِ وَسبعين فرقة وَسَتَفْتَرِقُ أمتى ثَلَاث وَسبعين فرقة كلهم فِي النَّار الا السوَاد الْأَعْظَم ) )، وروي عن ميمون بن مهران عن ابن عباس (( أنَّ رجلًا أتَى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رسول اللهِ علِّمني. قال: فاذهب فتعلَّم القرْآن، ثم قال له في الرّابعة: اقْبل الحقَّ ممَّنْ جاءَكَ به حبيبًا كان أو بغيْضًا، وتعلم القرآن ومل بعه حيه مال) .
(ش) (وروى) حماد بسنده المذكور (عن أبي هريرة عن البيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:(افْتَرَقَتْ بَنُو إسْرَائِيل) في الاعتقاد على (اثْنَتَيْن وسبْعين فِرْقَةً) متخالفة، (وسَتَفتَرقُ أُمَّتِي) : أي المجيبون لدعوتي (ثلاثًا وسبْعِينَ فِرْقَةً) متخالفة في أصول الاعتقاد، (كُلُّهُمْ في النَّارِ)
ومستحقون لها؛ لسوء الاعتقاد، (إلاَّ السَّوَادِ الأَعْظَمَ [2] المصيبين فيه، المتبعين لظواهر المحكمات كما بيَّنه فيه.
وفي المسند بتخريج حماد والحسن بن زياد أنه قال: (وروى) حماد بسنده المذكور (عن ميمون بن مهران) الجزري من فقهاء التابعين (عن ابن عباس) عبد الله حبر الأمة، ورواه الديلمي وابن عساكر عنه، وعن ابن مسعود (( أنَّ رَجُلًا اتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله علِّمْني) ما ينفع في أمر الدين، (قال: فاذهب) إلى العلماء (فتعلَّم القرْآنَ) ، قاله ثلاثًا، (ثمّ قال له في) المرة (الرّابعة) لما في السؤال: (اقبل الحقّ) واتبعه (ممّنْ جاءك به) ، وأوصله (حبيْبًا كان) الجائي بذلك (أو بغيضًا) : أي مبغوضًا لك أو مبغضًا @
(1) ذكره القنوجي في أبجد العلوم (2/ 8) .
(2) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (7/ 554) ، والطبراني في الكبير (8/ 274) ، بنحوه.