الصفحة 32 من 285

(وبعلم القرآن ومل معه [1] : أي مع محكماته كما كشف عنه قوله صلى الله عليه وسلم:(( ولْيسعْكم القُرآن وما فيه من البيان [2] ) ، كما رواه الحاكم و البيهقي والطبراني وابن عساكر عن معقل بن يسار عنه رضي الله عنه، ولرجوع المتشابهات إليها، بخلاف العكس كما في قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] مع قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ، وقوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] .

فمن مال إلى المتشابهات واتَّبها لم يتبع المحكمات، فلم يكن مائلًا مع جميعه، وهو المراد لتبادر المعنى العرفي العام في ذلك المقام، وهو جميع ما بين الدفتين؛ لأن القرآن في العرف الكلامي: المعنى القائم بذات الله سبحانه وتعالى، وهو لا يقبل التعلم، وفي العرف الأصولي بمعنى القدر المشترك، ولا يحمل عليه لأنه عرفٌ مستحدثٌ، ففيه إيماءٌ إلى المنع عن اتباع المتشابهات بالأمر بالأمر بالميل مع جميعه (حيث مال) ، واتباع ظاهر محكماته بال جدالٍ.

فأشار إلى أن مسائل الفقه في الدين القضايا النظرية الاعتقادية المأخوذة من المحكمات، وإجماع السواد الأعظم من الأمة، لا من مجرد العقول كما عليه أهل الأهواء؛ لاستيلاء غوائل الوهم في بواديها، والتباس الحق بالباطل في مباديها، فمن اقتدى بما جاء به الشرع فقد استقام وهدى، ومن ترك هداه واتّبع هواه فقد ضلّ وغوى.

وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:

الأولى: أن في إيراد خبر الآحاد في مقام البيان إشارة إلى حصول البيان به. الثانية: أن المبين قطعي بالمعنى الثاني المشهور فيه، (فإن القطعي يطلق على ما يقطع الا حتمال أصلًا، كحكمٍ ثبت بمحكم الكتاب ومتواتر السُّنة ويكفر جاحده, ويطلق على ما يقطع الاحتمال الناشئ عن دليلٍ، مثل تعدد الوضع، كحكم ثبت بالظاهر والنص المشهور ولا يكفر جاحده، كما لخص في كتاب الأصول) ، فإنه مشهورٌ رواه اثنا قشر صحابياًّ: على، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأنس، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وابن عمرو، ومعاوية، وأبو أمامة، وصفوان بن عمرو، وواثلة بن الأسقع، وعوف بن مالك، وروي عنهم بأكثر من أربعين طريقًا، وأجمع العلماء على قبوله، وهو@

(1) ذكره القاري في الشرح الميسر على الفقه الأكبر (1/ 142) .

(2) رواه الحاكم في المستدرك (1/ 757) ، والبيهقي في الشعب (2/ 485) ، وذكره ابن كثير في التفسير (1/ 188)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت