الكبائر، ومن الصغائر عمدًا، وتابعه فيه مالك ومسلم والترمذي وأبو دواد والنسائي.
الثالثة: أن في البيان إشارة إلى اشتراط مجموع الشهادتين في الإيمان، فلا يكفي الأول كما ظنَّ، قيل: ولا الآخر، (وتؤمن) منزل منزلة المصدر بقرينة العطف، فالناصب محذوف، (بِمَلائِكَتِهِ) وأنهم أجسامٌ نورانيةٌ مبرأةٌ عن الكدورات الجسمانية والذكورة والأنوثة، قادرون على التشكل بالأشكال المختلفة، سفراء الله تعالى إلى أنبيائه، صادقون في تبليغ أحكامه، عُبَّاد الله لا كما زعم المشركون من تألهم، مكرمون لا كما زعم اليهود من تنقيصهم، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، وتاؤه لتأنيث الجمع أو المبالغة جمع ملك على غير قياسٍ، أو ملأك من الألوكة: أي الرسالة، فخفف بالنقل والحذف، وفي صيغة الكثرة إشارة إليها، كمنا ورد: (( ما من موضع قَدَمٍ في السَّماء إلاَّ وفيه ملكٌ راكعٌ أو ساجدٌ، وما يعلم جنودَ ربكَ إلا هو [1] ) (وكتبه) بأنها كلام الله تعالى أُنزلت على بعض رسله بألفاظٍ حادثة على لسان الملك، أو نقوش في ألواح دالة على كلامه الأزلي، القائم بذاته تعالى، فإنه أنزل منها عشرة من الصحف على آدم عليه السلام، وخمسون على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على إبراهيم، والتوراة على موسى، الزبور على داود، والإنجيل على عيسى، إلى الحقِّ، وتكميل معاشهم ومعادهم، وهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، المبلغون لأحكامه، المعصومون عن مخالفة أمره بارتكاب كبيرة مطلقًا، وكذا صغيرة عمدًا.
وفيه إشارات إلى مسائل:
الأولى: أن المراد بالرسل هنا الأنبياء على الترادف، فإنه أحد استعماليه، كما في الشفاء على ما بيّنه رواية النبيين هنا فيما أخرجه ابن عساكر عن عبد الرحمن بن غُنْم الشعري؛ لوجوب الإيمان بالجميع.
الثانية: أن المراد بهم البشر، كما دلّ الإضافة العهدية؛ إذ لم يكن من الجن نبي، كما ذهب إليه الجمهور، وحملوا قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} [الأنعام: 130] ، على ما يعم الواسطة، وقالوا: رسلهم رسل البشر كما دل قوله تعالى: {فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29] ، وقوله: إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ@
(1) رواه الطبراني في الكبير (2/ 184) ، وفي الأوسط (4/ 44) ، وذكره ابن كثير في التفسير (4/ 24) ، (4/ 446) ، بنحوه.