الصفحة 44 من 285

مِنْ بَعْدِ مُوسَى [الأحقاف: 30] ؛ لأن ظاهرها أنهم كانوا يهودًا، ولذا لم يقولوا من بعد عيسى مع تأخره، كما قال السهيلي وغيره، ولا من الملك، وما ورد من الرسالة فيهم فهو محمولٌ على المعنى اللغوي، كما في الحواشي النسفية لعصام الدين وغيرها.

الثالثة: أن في إجمال عدد الكتب والرسل إشارة إلى كفايته في مقام الإجمال (ولِقَائِهِ) أي رؤيته في الآخرة: بمعنى الانكشاف التام بالبصر بلا مقابلة ولا مسافة بينه تعالى وبين المؤمنين الرائين على ما فسَّره الأئمة.

وفي المقاصد: أن النظر الموصول ب (إلى) إمّا بمعنى الرؤية، أو ملزوم لها، أو مجاز متعين فيها، وكذلك اللقاء بشهادة النقل والاستعمال والعرف، ووافقه في رواية اللقاء مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة وأبي ذر، وتفسيره بالحساب أو الانتقال إلى دار الجزاء كما ظنّ صرفٌ عن الظاهر، ومستدرك بقوله: (واليَوم الآخر) من أيام الدنيا، أو آخر الأوقات المحدود، وهو من يوم الموت إلى آخر ما يقع في القيامة من سؤال الملكين، ونعيم القبر أو عذابه، والبعث والجزاء والحساب والميزان والصراط والجنة والخلود فيها، والنار وخلود الكفار فيها، كما ذكره جمهور الشُّرَّاح على ما بيَّنه ما ورد في رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( وتؤمن بالبعث بعد المرت، وتؤمن بالجنَّةِ والنار والميزان [1] ) ، رواه البيهقي في البعث، وأبو القاسم اللالكائي في كتاب السُّنة.

وفي رواية عبد الرحمن بن غُنم الأشعري: (وبالموت، والحياة بعد الموت، والحسابِ، والميزانِ، والجنّة والنار [2] ) ، رواه ابن عساكر.

وكذا في رواية للبخاري وغيره عن أبي هريرة، فاليوم مجاز عن الوقت الممتد الكثير كما في التيسير من قوله تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ} [الدخان: 10] ، كما يتجوز به عن الوقت اليسير كقوله: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ} [الأنفال: 16] ، مجازًا مشهورًا، كما في الأصول، (والقدر) : أي وأن بمؤمن بتقدير الأشياء: أي بأنّ الله تعالى قدّر الخير والشر قبل خَلْق الخلائق، وأن جميع الكائنات متعلق بقدره، وهو عند السلف من الصفات المتشابهة، وعند المتأخرين من الماتريدية يرجع إلى صفة الفعل لكونه بمعنى جعل كل شيءٍ على ما هو عليه، كما في الإرشاد والتبصرة، وعند الأشاعرة: القضاء@

(1) رواه ابن خبان في الصحيح (1/ 398) ، والبيهقي في السنن (1/ 24) وفي الشعب (1/ 257) ، بنحوه.

(2) رواه البيهقي في الاعتقاد (1/ 205) ، والروياني في المسند (2/ 417)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت