و في فتح الباري وغيره: روى الحميدي عن سفيان، عن مالك بن مغول، عن إسماعيل ابن رجاء، عن الشعبي (( أن عيسى عليه السلام سأل جبريل عن ذلك، فانتفض بأجنحته، فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل(1 ) ))، فسؤاله ليظهر للحاضرين بجواب الرسول أنه لا يعلم، وأنه لا يجاب عما لا يعلم، وأنه لا يستنكف من قول: لا أدري، فإنه نصف العلم (ولكن لها أشراط) جمع شرط: بالفتح العلامة، والمراد العلامات الدالة على قربها من كون أسعد الناس بالدنيا لكع ابن لكع: أي لئيم ابن لئيم، وأن توضع الأشرار، وتملك أهل البادية أهل الحاضرة بالغلبة، تشييدهم المباني، وكثرة السراري، وعلاماتها الدالة على غاية قربها من قيام المهدي، وكثرة الهرج، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وفيض المال حتى لا يقبله أحد، وانحسار الفرات عن جبل من ذهب، وخروج دابة الأرض، ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك مما بيَّن في الأحاديث الصحيحة، ويفصل في الخاتمة إن شاء الله تعالى، (فهي من الخمس التي استأثر الله تعالى) : أي تفرد (بها) دون غيره، وفيه إشارة إلى إبطال التنجيم والكهانة ونحوهما، (فقال تعالى:(إن الله عنده علم الساعة) [لقمان:34] ): أي علم وقت قيامها عند الله تعالى لا يعلمه غيره، فإياكم أن تأتيكم بغتة وأنتم مغترّون بالحياة الدنيا، (وينزل الغيث) : أي للوقت الذي يعلم الصلاح في إنزاله فيه لعباده وبلاده، (ويعلم ما في الأرحام) ذكر أم أنثى، حي أم ميت، وما صفاته ووقت ولادته، (وما تدري نفس ماذا تكسب غدا) : أي ما يعمل في المستقبل العمر من خير أوشرٌّ، (وما تدري نفس بأي أرض تموت) : أي بأي بلد أو قوم، وفي نسبة العلم إلى الله تعالى والدراية إلى العبد إيذان بأنه إن أعمل حيلته وبذل وسعه في تعرف ما هو لاحق به من كسبه وعاقبته لا يدركه، فكيف بغيره مما لا ينصب له دليل عليه، (إن الله عليم خبير) ، هو العالم بظواهر الأشياء وبواطنها، بتفاصيلها وجملها، ما كان وما يكون، (فقال: صدقت) في كل ما بلغت، (ثم قفى) بتشديد الفاء: أي ولى، (فلما توسط الناس) : أي بلغ وسط مجتمعهم (لم نره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن هذا) السائل آنفا (جبريل) أعظم الملائكة قدرا، سفير الوحي، وهو اسم أعجمي سرياني معناه: عبد الله.
وفيه إشارات إلى مسائل:
الأولى: أنه تشكل بشكل البشر، وإليه أشار بقوله: (( إن هذا جبريل ) )؛ لكونه جسما@