الصفحة 53 من 285

على القدرية.

وفيه إشارات إلى مسائل:

الأولى: أن كونه من الله تعالى بخلقه تعالى دون مجرد الاقدار والتمكين.

الثانية: الأخذ من قول على رضي الله عنه: (( أمر الله تعالى بالخير تخبيرا، ونهى عن الشر تحذيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يملك تفويضا، فهو أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض، والاستطاعة تملك بالله الذي إن شاء ملك(1 ) ))، ورواه الأصبهاني وابن عساكر.

الثالثة: أن الإيمان بالقدر بمعنى الإيمان بالتقدير للخير والشر، وعدم تفويض الأعمال إلى العباد كما زعمه القدرية، لا بمعنى الجبر عليهم، وإليه أشار ببيان القدرية، وقد كتب فيه الحسن البصري إلى الحسن بن علي رضي الله عنه يسأله عن القضاء والقدر؛ فكتب إليه الحسن بن علي رضي الله عنهما: (( من لم يؤمن بقضاء الله وقدره خيره وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على ربه فقد فجر، وإن الله تعالى لا يُطاع استكراها، ولا يُعصى بغلبة؛ لأنه تعالى مالك لما ملكهم، وقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا، وإن عملوا بمعصيته فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا، فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك، ولو جبر الخلق على الطاعة لأسقط عنهم الثواب، ولو جبرهم على المعصية لأسقط عنهم العقاب، ولو أهملهم كان ذلك عجزا في القدرة، ولكن له فيهم المشيئة التي غيبها عنهم، فإن عملوا بالطاعة فله المنة علميهم، وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم ) )، رواه الهروي في شرح المشكاة، وأشار إلى تنوير المرام؛ لمخالفة كثير في المقام بوجهين:

الأول: ما أشار إليه بقوله فيه: (والناس صائرون إلى ما خُلقوا له) ، يختارون ما خلقوا له، وأريد منهم (وإلى ما جرت به المقادير) من الختم على سعادة أو شقاوة، يعني: أن الناس صائرون إلى ما أريد منهم من خير وطاعة، أو شرٍّ ومعصية، وما جرى به التقدير عليهم، وصارفون اختيارهم غليه البتة بلا انفكاك لاستلزام تخلف المراد عن الإرادة نقصا في الربوبية، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرا.

الثاني: ما أشار إليه بقوله فيه: (وأن ما أصابك) من المقادير (لم يكن) مقدَّرا على غيرك؛ (ليخطئك) إلى غيرك، وإنما هو مقدر عليك؛ إذ لا يصيب الإنسان إلا ما قُدر@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت