الصفحة 54 من 285

عليه، (وإن ما أخطأك) منها (لم يكن) مقدرا عليك (ليصيبك) ؛ لأنه بان بكونه أخطأك أنه مقدر عبى غيرك: أي فرغ مما أصابك، أو أخطأك من خير وطاعة وشر ومعصية، فما إصابته لك محتومة فلا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه محتومة، فلا يمكن أن يصيبك؛ لأنها سهام صائبة، وجهت من الأزل بحسب ما يقع من اختيارات العباد، فلا بدَّ أن تقع مواقعها، ولا تنفك عما علم الله في الأزل؛ لاستلزام الانفكاك انقلاب العلم جهلا، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرا.

وفيه إشارات إلى مسائل:

الأولى: أنه كتب جميع المقادير بحسب ما سيقع من اختيارات العباد، وجفَّ القلم به فلا يقع إلا ما كتب من المقادير، وإليه أشار بقوله: وإلى ما جرت به المقادير، وأوضحه ما روى ابن عباس في بعض الطرق لهذا الحديث: (( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لك يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك [1] ) ، رواه الترمذي وابن منده والبيهقي، وأحمد بن حنبل، وعبد بن حميد، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما.

الثانية: أن الناس صائرون بالاختيار إلى ما خلقوا له، وتعلق به العلم الأزلي دون الجبر والاضطرار فيه؛ لأنه إنما يتعلق بالماهية على ما هي عليه في الواقع، وإليه أشار بقوله: (صائرون .. ) إلى آخره، ولم يقل: مضطرون.

وبينه الإمام بقوله في فصل خلق الأعمال: كتبه في اللوح المحفوظ بالوصف دون الحكم: أي بأن يفعله العبد باختياره، فإن القدرة والإرادة متوقفان على العلم، وعلمه تعالى وإن كان فعلياًّ: أي غير مستفاد، متبوعا في الوجود، فهو تابعٌ للمعلوم في الماهية، ومطابق له على ما هو عليه من الاختيار العميم، فافهمه فإنه الصراط القويم.

الثالثة: أن في إيثار صيغة الخطاب في مقام الإخبار إشعارا بالتبرك بلفظ الحديث المشهور عن عشرة من الصحابة: علي، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبيّ بن كعب، وزيد ابن ثابت، وسلمان، وأبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، وأنس، وخباب بن الأرت، المروي عنهم بأكثر من اثنين وعشرين طريقا، (والحساب) : أي استعمال عدد الأعمال جليلها ويسيرها بالنسبة إلى الأكثر؛ لأن الأحاديث تواترت بدخول قوم الجنة بغير حساب، كما قال الحافظ ابن الأثير كما في شرح المسايرة. @

(1) رواه الترمذي (4/ 667) ، والبيهقي في الشعب (1/ 217) ، وذكره ابن رجب في الجامع (1/ 183) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت