الصفحة 67 من 285

أما الدور فلوجهين:

الأول: أن صريح العقل يجزم بأن ما لم يوجد لم يؤثر، فلو أثَّر الشيء في مؤثره يلزم تقدمه على مؤثره المتقدم عليه وهو محال.

الثاني: أن نسبة العلة إلى المعلول بالوجوب ونسبته إليها بالإمكان فلا يجتمعان في الشيء بالنسبة إلى أمر معين فضلا عن نفسه.

وأما التسلسل فلوجهين: الأول: أن الممكنات لو تسلسلت لا إلى نهاية لاحتاج المجموع سكون ممكنا لافتقاره إلى أجزائه، فله سبب مغاير له، خارج عنه؛ إذ الداخل لا سكون علة لنفسه ولا لعلله، فلا يكون علة مستقلة للمجموع، والخارج لا يكون ممكنا فينقطع.

الثاني: أن نسبة السلسلة وأجزائها إلى الترجيح كنسبتها إلى الترجح وهو ظاهر، فلا يصلح شيء منهما للعلية، وينتفي التسلسل وهذا ينفي التسلسل فنما يضبطه الوجود مطلقا مجتمعة أو لا، كما قال به المتكلمون.

وتقريره على طريقة الحدوث [1] : أن العالم حادث؛ لأنه متغير أموره وأعماله، فلا بد له من مؤثر صانع، ولا يكون حادثا متغيرا وإلا لاحتاج إلى مؤثر آخر ودار أو تسلسل، وكلاهما باطل لما مر، فثبت الانتهاء إلى مؤثر واجب قديم يحدثه ويحفظه.

وهذا برهان لطيف جليل مأخوذ من مسلك الخليل عليه التحية والتسليم بالتبجيل حيث استدل قبل أن يجري عليه القلم بالظهور بعد أن لم يكن، والأفول بعد الطلوع، وآثار العجز عن التدبير كما قال الإمام أبو منصور مستفهما على سبيل الإنكار في قوله: هذا ربي، فإن حذف أداته مشهور قائلا: لا أحب الآفلين: أي لا أثني على الذي تتعاقب عليه الأحوال، ويعتريه التغير والزوال باستحقاق الربوبية، ولا أعطيه المحبة التي تجب الله الواجب الوجود الذي يستحيل عليه الزيادة والنقصان، والذهاب والإتيان، كما في

التيسير [2] @

(1) انظر: التوحيد لأبي منصور الماتريدي (ص 11) وما بعدها، والتمهيد للباقلاني (ص 22) والإرشاد (ص 17) ، ولمع الأدلة (ص 76) /، والاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص 29) ، وتبصرة الأدلة (1/ 3) ، وأصول الدين (23) ، والشامل (1/ 34) ، والعقيدة النظامية للجويتي (16) ، والفصل في الملل والنحل لابن حزم (1/ 14) ، ونهاية الأقدام في علم في غلم الكلام للشهر ستاني (ص 5) ، وشرح العقائد النسفية (1/ 68) .

(2) انظر: إيضاح الدليل (31) ، والتيسير (ص 125) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت