وأصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: (( وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ فِي البَحْرِ كَالأَعْلامِ*إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ ) ) [الشورى: 33,32] ، وقوله تعالى: (( صُنْعَ اللهِ الّذِي أتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ ) ) [المل:88] ، وقوله تعلى: (( وَلَا يَئُوده حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ ) ) [البقرة: 255] .
وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:
الأولى: أن الموجودات مفتقرة إلى الصانع ابتداءً وبقاءً من حيث يستتبع حدوثها كافتقار ها من حيث إمكانها الذي لا ينفك عنها، فإن الموجودات إما جواهر يستحيل خلوها عن الأكوان المتجددة المتغيرة، أو أعراض متجددة بتعاقب الأمثال متغيرة، فهي محتاجة إليه تعالى دائمًا عند المتكلين.
والتشنيع عليهم في القول بعلية الحدوث بلزوم الاستغناء عن الصانع بقاء كما ظنّ قشري، بل ساقط بمرة، وإليه أشار بقوله: ومحدث وحافظ.
الثانية: أن جزم العقل باستحالة جريان سفينة محمولة بنفسها على الاستواء مع تصادم الأمواج والرياح مما لم يختلف فيه الآراء وأجمع عليه العقلاء، وهو قدرٌ يسيرٌ بالنسبة إلى ما في العالم من اختلاف الأحوال وتغير الأمور والأعمال، فكيف يوجد ويقوم بنفسه من غير صانع واجب؟! وإليه أشار بجعله المقيس عليه.
الثالثة: أن العالم حادث، والاستدلال على حدوثه بجميع أقسامه وكونه مسبوقا بالعدم بوجوه:
الأول: أن الجسم يقوم به الحادث، وهو ضروريٌّ لما نشاهده من الحركات وتجدد الأعراض، ولا شيء من العديم كذلك، وإليه أشار بقوله: (في سفينةٍ مشحونة بالأحمال احتوشتها في لجة البحر أمواج متلاطمة) .
الثاني: أن الأجسام لا تخلو عن الحوادث من الأكوان والتأليف وما ستبعهما من الأعراض، ولا توجد بدون التمايز، وهو بالأعراض لتماثل الجواهر الفردة التي يتألف منها الأجسام، والأعراض لا تبقى زمانين، وكل ما لا يخلو عن الحادث فهو حادثٌ بذاته وصفاته وأحواله، وإليه أشار بقوله: (قيام هذا العالم على اختلاف أحواله وتغير أموره وأعماله) . @