حادث ممكن، وإلا لم يعدم ولم يوجد، فله مؤثر وذلك المؤثر يكون لا محالة واجبا غالبا أو منتهيا إليه؛ لاستحالة الدور أو التسلسل، وأصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 190] .
وبيّن المقام تنبيها على ضرورية دلالة الموجود المحدث على وجود المحدث بقوله فيه: (كوجود بناء مشيد) : أي محكم (في عرصة بعد أن لم يكن) فيها مادته وصورته، كما دلَّ الإطلاق (يدل على وجود بان بناه) بالضرورة.
وفيه إشارات إلى مسائل:
الأولى: أن الوجود عين الموجود كالوجوب، فإنه المتبادر من التمثيل، وأنه معلوم بداهة، وقد ينبه عليه بأنه التحقق حقيقة مخصوصة، وأنه الثابت العين، وأنه ما يعلم ويخبر عنه، وأنه المنقسم إلى فاعل ومنفعل، فالوجود ليس زائدا على الذات في الواجب والممكنات عند الماتريدية، واختاره الأشعري كما في (التعديل) ، و (أوائل شرح المشكاة) للهرويّ، خلافا لجمهور الأشاعرة والمعتزلة مطلقا، وللفلاسفة في (الممكنات من الموجودات) ، وليس النزاع في مفهوم الذات، كما قاله صاحب (الصحائف) ؛ إذ لا يتصوَّر نزاعٌ في أن ذات الإنسان نفس ذاته وماهيته، فضلا عن الاحتياج إلى الاحتجاج، بل النزاع في الوجود المقابل للعدم، وهو معنى الكون.
وحاصله أن الكون عرض قائم بالذات بعد كون الذات ذاتا، وثبوت هويته في الأعيان، أو هو نفس كون الذات ذاتا، بمعنى أنه ليس لكلٍّ من الماهية والوجود هوية ممتازة عن الآخر، فيصدق مع عدم الهوية الخارجية للوجود؛ لكونه من المعقولات الثانية، ومع زيادة الوجود في المفهوم والتعقل، فإنهم وإن نفوا الوجود الذهني فهم قائلون بمغايرة بعض الأمور للبعض بحسب المفهوم والتعقّل، كما سيأتي، فليس النزاع فيه مبنيا على النزاع في الوجود الذهني، كما قال صاحب (المواقف) ، ولا لفظيا مرتفعا ببيان أن المراد الزيادة في التصور وعدمها في الهوية كما قال صاحب المقاصد، فإنه متصادم لنتائج الأذهان مطالب بقواطع البرهان.
ولا يرد ما ذكره شارح المواقف أنه لو اتحد الوجود بالسواد مثلا في الخارج لكان محمولا على تلك موطأة كالسواد، وأيضا لم يكن لأحد شك في أن الوجود موجود، كما لا شك في أن السواد موجود، فالهوية الثابتة في الأعيان هوية السواد، والوجود عارض لها، ويمتاز عنها في العقل فقط، ويندفع القول بأن عروض الوجود غير معقول،@