فإدراك النقيضين موجود خارجا، لا أن اجتماعهما ماهية أو صورة موجودة في الذهن، فإن الممتنعات ليس لها ماهيات، وحقائق موجودة في العقل.
الثاني: أن الوجود عين الماهية والذات فلا وجود لها في الذهن، وإنما يتعقل الكليات والاعتباريات والمعدومات والممتنعات، ومغايرة بعضها لبعض بحسب المفهوم من غير حصول شيء في العقل، واقتضاء الثبوت في الجملة، كما في شرح التعديل وشرح المقاصد، فلا يشكل بنفيه إثبات قدم العلم ونحوه مما أخذ الإضافة في مفهومه، فاستدلال المثبتين مع نفيه مذكور في المطولات.
الثالثة: أن دلالة الموجودات الحادثة على وجود محدث لها ضرورية قد ينبه عليها بأن من رأى بناءً رفيعًا جزم بأن له بانيا، كما ذهب إليه الجمهور.
الرابعة: أن في الوصف بالتشييد والإحكام إشارة إلى أظهرية دلالته على محدثه وعلى علمه وقدرته، وغير ذلك من الصفات المتوقف عليها الإحداث.
الخامسة: أن الأجسام باقية: أي غير متجددة، كالأعراض مما سوى الألوان والأشكال والإدراكات والملكات، فإن الحق أن العلم ببقائها بمنزلة العلم الضروري ببقاء الأجسام من غير تفرقة، وإن كان مذهب الأشاعرة امتناع بقائها مطلقا كما في شرح المقاصد، أما بقاء الأجسام فإن الضرورة الحسية حاكمة بذلك.
وفي قوله في عرصة: إشارة إلى أن الأجسام لا تخلو عن حيز: أي فرلغ تشغله، وهو ضروريٌّ؛ لأن الجسم من أقسام الجوهر المتحيز.
السادسة: أن في قوله: (( مغير له غالب هو الصانع ) )إشارة إلى الأخذ من قوله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} [يوسف: 21] وإلى برهان التمانع المشار إليه في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [المؤمنون: 91] ، وفي قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، وقوله تعالى: {إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ} [الملك: 30] ، ويقرر بوجوه:
الأول: أن الإله لو تعدد فقدرة كل منهما وإرادته كافية في الحدوث والتغير أو لا، وعلى الأول يلزم اجتماع العلّتين على معلول واحد، وعلى الثاني يلزم العجز المنافي للألوهية، ولا يمكن التوارد والاتفاق على الإيجاد بالاشتراك مع القدرة بالاستقلال؛ لأن تعلق إرادة كل واحد إن كان كافيا لزم المحذور الأول وإلا لزم الثاني.
وإليه أشار بقوله: (( مغير له غالب ) )@