الثاني: أنه لو تعدد لكان العالم محتاجا إلى كل منهما ومستغنيا عنهما؛ لكونهما مبدأين مستقلين له، واللازم باطل بالضرورة، وإليه أشار بقوله: غالب هو الصانع.
الثاني: أنه لو تعدد لجاز أن يريد أحدهما شيئا والآخر ضده الذي لا ضد له غيره، كحركة زيد وسكونه، فيمتنع وقوع المرادين وعدم وقوعهما؛ لامتناع ارتفاع الضدين المذكورين واجتماعهما، فتعين وقوع أحدهما، فيكون مريده هو الإله دون الآخر لعجزه، فلا يكون الإله إلا واحدا، وإليه أشار بقوله: (فدل تغيره على وجود مغير له غالب هو الصانع) .
السابعة [1] : نفي الهيولى القديمة، والصورة كما قالت الفلاسفة، وإليه لوّح بقوله: كوجود بناء مشيّد في عرصة بعد أن لم يكن يدل على وجود بان بناه: أي بعد أن لم يكن فيها هيولاه ولا صورته، كما دل الإطلاق والسياق، فالأجسام مركبة من الجواهر المفردة الغير المنقسمة كما اختاره المتكلمون، واستدلوا على إثباتها وإطال الاتصال في نفيه بوجوه:
الأول: أن القابل للقسمة لولم يكن منقسما بالفعل إلى أجزاء لا تتجزأ بل واحدا في نفيه، كما هو عند الحس لكان معروضا للوحدة، فإذا انقسم لزم انقسام الوحدة؛ لاستلزام انقسام المحل انقسام الحال واللازم باطل؛ لأن الوحدة لا تنقسم أصلا؛ إذ لا معنى لها سوىى عدم الانقسام.
الثاني: أنه لو لم يكن منقسما، وكان واحدا لكان تقسيم الجسم وتفريق أجزائه إعداما له بالكلية؛ لأنه عند التفريق يزول الهوية الواحدة، وتحدث هويتان أخريان بالضرورة، واللازم باطل للقطع بأن شق البعوض البحر بإبرته ليس إعداما له وإحداثا لبعض آخر.
الثالث: أنه لو لم يكن الجزء: أي الجوهر الغير المنقسم عقلا ولا فرضا ولا وهما موجودا في الجسم، لما كان الجبل أعظم من الخردلة؛ لأن كُلًا منهما حينئذ قابل لانقسامات فير متناهية، فيكون أجزاء كل منهما متياهية من غير تفاضل، وهو المعنيُّ بالتساوي في عبارة المشايخ.
الرابع: أنه لو لم ينته انقسام الجسم إلى شيء لا يقبل الانقسام لكان امتداد كل جسم حتى الخردلة غير متناهي القدر؛ لتأليفه من امتدادات غير متناهية العدد.
وتمسك الفلاسفة مع جوابه مذكور في المطولات. @
(1) انظر: تمهيد الباقلاني (ص 52) .