الصفحة 79 من 285

ثم أشار إلى أنه يثبت بمجرد العقل وجوب الإيمان بالله تعالى، ودلالة المعجزة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجوب تصديقه، وحرمة الكفر والتكذيب (وقال في كتاب العالم: ويعرف) بالصدق (الرسول) فيما جاء به من الأحكام الاعتقادية والعملية (من قبل) تعريف (الله) تعالى بتركيب العقول والاستدلال به على حقية ما جاء به بدلالة معجزاته، فأشار إلى أن وجوب تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم وحسن ذلك، بمعنى استحقاق المدح والثواب عليه في حكم الصانع عقلي يجزم به العقل إجمالا بتوفيق الله تعالى؛ للاستدلال لا بالسمع والأخذ من قبل الرسول؛ لتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته، فيستحيل 'ثباته به.

واستدل على ذلك بوجهين:

الأول: ما أشار إليه بقوله فيه: (لأن الرسول) لإرشاد العباد (وإن كان يدعو) من أمر بدعوته من قابل للحق راشد وجاحد لإلزام الشرع معاند، كما دلَّ عليه الإطلاق (إلى) دين (الله) تعالى بما جاء به من معجزاته الدالة على حقيق أحكامه الاعتقادية والعملية، (لم يكن أحد) ممن بلغته دعوته (يعلم) ويصدِّق (بأن) الأمر (الذي يقول الرسول) صلى الله عليه وسلم ويدعو إلى التصديق به من وحدانية الصانع المتعال [1] ، واتصافه بصفات الكمال وسائر ما جاء به من الأحكام على الإجمال (حقٌّ) مطابقٌ للواقع، واجبٌ قبوله (حتى يقذف الله) ويلقى (في قلبه) : أي عقله الحالِّ فيه (التصديق) الراجع إلى الكلام النفسي، (والعلم) المشروط به التصديق (بالرسول) وحقيقة دعواه بتوفيقه للاستدلال عليه برؤية بعض معجزاته، أو بإلقاء التصديق في قلبه بطريق الفيض من غير تجشم نظر وكسب، يعني أن ثبوت الشرع وما يقول الرسول عند المكلّف الذي يدعوه البسول إلى التصديق به موقوفٌ على وجوب الإيمان، والتصديق عنده لا في نفس الأمر، فلو توقف @

(1) قال أبو المعين النسفي في التمهيد: وإذا ثبت أن للعالم محدثا أحدثه، وصانعا صنعه كان الصانع واحدا، إذ لو كان له صانعان لثبت بينهما تمانع، وذلك دليل حدوثهما، أو حدوث أحدهما. فإن أحدهما لو أراد أن يخلق في شخص حياة، والآخر أراد أن يخلق فيه موتا، وكذا هذا في جميع المتضدين كالحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والسواد والبياض، وغير ذلك.

إما إن حصل مرادهما ووجد في المحل المتضادان، وهو محال شخص واحد في حالة واحدة، وإما إن تعطلت إرادتهما، ولم ينفذ ولم يحصل في المحل لا هذا ولا ذاك، وهو تعجيزهما. وإما إن نفذت إرادة أحدهما دون الآخر، وفيه تعجيز من لم تنفذه إرادته والعجز من أمارات الحدث. فإذا لم يتصور إثبات صانعين قديمين للعالم فكان الصانع واحدا ضرورة، والله تعالى الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت