وجوب الإيمان والتصديق على الشرع، لزم الدور وإفحام الرسل فهو ثابت عقلا بقذف الله في قلبه التصديق والعلم.
وتقريره: أن المكلف المراد إلزام الشرع لو قال: لا أصدق ولا أنظر في معرفة صدقه ما لم يجب التصديق والمعرفة عندي، فحينئذ يتوقف ثبوت الشرع على ثبوت التصديق ومعرفة صدقه واجبين، فلو استفيد من الشرع توقف على ثبوت الشرع ولزم الدور أو التسلسل والإفحام في مقام الدعوة والالزام
وفيه إشارات:
الأولى: أن وجوب الإيمان بالله تعالى ووجوب تصديق النبي صلى الله عليه وسلم لا يتوقف على الشرع؛ لأن ثبوت الشرع عند المكلف المراد به إلزامه يتوقف على الإيمان بوجود الباري تعالى ووحدته وعلمه وقدرته وكلامه، وبنبوة النبي وبدلالة معجزاته وعلمه بوجوب التصديق بذلك كلهن وإليه أشار بقوله: لأن الرسول وغن كان يدعو إلى الله تعالى لشمول دعوته الراشد والمعاند، ولذا عمّم بقوله: لم يكن أحد يعلم بأن الذي يقول الرسول حق إلى آخره، فلا يتوجّه منع صاحب التلويح توقّف الشرع على وجوب الغيمان ونحوه، مستندا بأن توقف التصديق بثبوت الشرع على الإيمان بالله تعالى وصفاته وعلى التصديق بنبوة النبي ودلالة معجزاته لا يقتضي توقفه على وجوب الإيمان والتصديق، ولا على العلم بوجوبهما غايته أنه يتوقف على نفس الغنمان والتصديق، وهو فير مغيد ولا مناف؛ لتوقف وجوب الإيمان ونحوه على الشرع.
الثانية: أن في قوله: لم يكن أحد يعلم في مقام نفي اللزوم عنده إشارة إلى أنه يترتب الإثم على ترك النظر الواجب في نفس الأمر بعد ظهور المعجزة، وإدراك مدَّة الاجربة، لا في اعتقاد المكلف ولا بالنسبة إليه، فليس للمكلف المعاند أن يقول: لا أقدم على نظر لم يجب، ولا يجب عندي ما لم أنظر، وإلا يأثم بترك النظر؛ إذ لم يثبت بعد وجوب شيء؛ لأن الجهل ليس بعذر بعد ظهور المعجزة وإدراك مدة التجربة، كما صرَّح به في قوله: (( ولَا عُذر لأحد في الجهل بخالقه ) )، فلا يرد ما في المواقف وغيره أنه مشترك الإلزام؛ إذ لو وجب بالعقل فبالنظر اتِّفاقًا، فيقول المكلف حينئذ: لا أنظر ما لم يجب، ولا يجب ما لم أنظر، لا يقال: قد يكون وجوب النظر فطري القياس؛ إذ من القضايا التي قياساتها معها، فيضع النبي له مقدمات ينساق ذهنه إليها بلا تكلف، ويفيده العلم بوجوب النظر ضرورة؛ لأنّا نقول له ألا يستمع إليه ولا إلى كلامه الذي أراد به تنبيهه، ولا يأثم بترك النظر والاستماع؛ إذ لم يَثْبُت بعد وجوب شيء أصلا فلا يمكن الدعوة ويلزم الإفحام. @