الصفحة 81 من 285

الثالثة: أن إثبات الرسالة على المكلِّف يتوقف على معرفته وجود الصانع المتعال، وكونه واجبا واحدا بالذات متَّصفا بصفات الكمال، باعثا للرسول، آمرا بما جاء به من العقائد والأعمال، وإليه أشار بقوله: ويعرف الرسول من قبل الله، وقوله بعده: بما عرفهم الله من التصديق بالرسول؛ لتوقف ثبوت الرسالة في نفس الأمر على تلك الأمور، وكذا إثباته على المكلف واستلزام وجوب الوجود الوحدة بالذات بمعنى التنزه في ذاته عن أنحاء التعدد والتركب والمشاركة في الحقيقة وخواصها كما صرَّح به البيضاوي وغيره، ولذا بنى المتكلمون برهان التمانع المثبت للوحدة على الوجوب لذاته، كما بنى الفلاسفة عليه دلائل الوحدة وبيَّنوا استلزام التعدد للإمكان، كما فصل في محلِّه.

وعن هذا قال بعض الأجلة في ردِّ ما قيل: إن التوحيد مما يصح إثباته بالسمع، إن التعدد يستلزم الإمكان على ما لخص في محله ومالم يعرف أن الله تعالى واجد الوجود، خارجٌ عن جميع الممكنات، لم ينتظم برهان على الرسالة، يعني أن إثبات الرسالة وما جاء به الرسول من الأدلَّة السمعية عند المكلف يتوقف على معرفته وجوب وجود الصانع المرسل، ووحدته بخروجه عن جميع الممكنات، فإثبات الوحدة بالأدلّة السمعية دورٌ، فلا يرد اعتراض صاحب المقاصد بأن غايته استلزام الوجوب الوحدة بالذات، فإثبات الوحدة لاستلزام معرفته معرفتها فضلا عن التوقف.

ومنشأ الغلط عدم التفرقة بين ثبوت الشيء والعلم به؛ لما يشعر سياقه أن المراد توقف انتظام البرهان على الرسالة، وعلى حية ما جاء به الرسول بالنسبة إلى المكلف لا بالنسبة إلى نفس الأمر، كما ظنَّ على معرفته وجوب وجود الصانع المرسل له ومعرفته ووحدته، لا توقف معرفة الوجوب على معرفة الوحدة وإن كان الوجوب يستلزمها.

ولا يرد ما قيل: إن الرسالة تثبت عند المكلف بمعرفة دليل الصانع، ودلالة المعجزة على صدق مدَّعي الرسالة بلا توقف على معرفة وجوب وجوده كما ظنَّ؛ لتوقف انتهاض دليل الصانع ودلالة المعجزة عند المكلف على وجوب الوجود ومعرفته، كما عرف في مسلك الإمكان والحدوث، ومنشأ الغلط الغفول عن التوقف بالواسطة.

ولا يتجه ما قيل: إنه إن أراد الاستلزام بينا فظاهر أنه ليس كذلك، وإن أراد مطلقا فغير ثابت، ودلائله مدخولة.

ولو سلم فالعلم بوجوده تعالى لا يتوقف عليه: أي على العلم بوحدته، فإن يثبت بالخروج عن نظام السلسلة لا عن جميع الممكنات؛ لاحتمال تعدد السلاسل لمنع البراهين المقررة في كتب الفحول احتمال التعدد وعدم الخروج عن جميع الممكنات؛ لتعدد@

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت