الصفحة 82 من 285

السلاسل لانتظام البرهان بانتهاء سلاسل الممكنات والمحدثات إلى واحد بالذات على ما تقرر في المسلكين؛ لانتهاء سلسلة واحدة كما ظنَّ، ولإثباتها الاستلزام المذكور، وأشار إلى أن أصل الدليل مأخوذٌ من الآية بقوله فيه: (ولذلك) : أي ولكون معرفة صدق الرسول فيما جاء به من قبل تعريف الله للخلق بتوفيق الاستدلال، قال الله تعالى مخاطبا رسوله ومسليا له: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي} [القصص: 56] هداية موصلة إلى البغية لا محالة {مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] ، ولا تعدر ان تدخله في الإسلام وإن بذلت فيه المجهود، ولا يجري الاهتداء على محبتك، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 272] ، أن يهديه فيدخله في الإسلام بتوفيق الاستدلال وخلق الاهتداء فيمن يختار الهداية، كما كشف عنه قوله تعالى: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 117] : أي سبق علمه بمن يختارها فيهديه كما في التيسير، وفيه إشارة إلى أن الآية عامة الصيغة وإن نزلت في أبي طالب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان راغبا في إسلامه؛ لتكفله إيَّاه في صباه، ومنعه عنه في كبره، كما قال ابن عباس رضي الله عنه.

الثاني: ما أشار إليه بقوله: (ولو كانت معرفة الله) بوجوب وجوده ووحدته وصفاته الذاتية والفعلية الشاملة لإرسال الرسول وخلق المعجزة على يده (من قبل) تعريف (الرسول) بما جاء به من الشرع وموقوفا عليه (لكان المنَّة على الناس) ، وهي النعمة التي لا يطلب موليها ثوابا ممن أنعم بها عليه، من (المنِّ) بمعنى القطع؛ لأن المقصود بها قطع حاجته (في معرفة الله من قِبَل الرسول) ؛ لحصول نعمة المعرفة من قبله بما جاء به، (لا من قِبَل الله) وحده بتركيب العقول والتوفيق للاستدلال، (ولكن المنة من الله) وحده (على الرسول في معرفة الرب تعالى) بتوفيق الاستدلال، كما وفق إبراهيم عليه السلام، وبالإعلام بطريق الفيض والإفضال كما وقع لبعض الرسل، وبالعصمة عن الكبائر والكفر في كل حال، (والمنة الله) وحده، وإن حصلت بوساطة الرسل (على الناس) المؤمنين (بما عرفهم الله) بتركيب العقول، والتوفيق للاستدلال (من التصديق بالرسول) ، وأحقية ما جاء به، يعني أن معرفة الله تعالى ومعرفة وجوب تصديق النبي لو كان من قِبَل الرسول وتوقف على الشرع لكان المنَّة منه، ولزم الدور أو التسلسل فهو واجب عقلا بما عرّفهم الله تعالى.

وتقريره: أن تصديق أول أخباره واجب عقلا؛ لأنه لو كان شرعا لتوقف على نصٍّ آخر بوجوب تصديقه، فالنص الثاني: إن كان وجوب تصديقه بنفسه لزم توقف الشيء على نفسه، وإن كان بنصٍّ ثالث لزم التسلسل، وأيضا يتوقف وجوب تصديه على حرمة كذبه، فلو ثبت من قبله لزم الدور أو التسلسل، وأصل الدليل مأخوذ من قوله تعالى: @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت