الصفحة 83 من 285

{بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ} [الحجرات: 17] ، وأشار إلى تنويره بقوله فيه: (ولذلك) : أي لكون معرفة وجود الصانع المتعال واتصافه بصفات الكمال بتوفيق الله سبحانه للاستدلال، (لا ينبغي لأحد أن يقول: إن الله يعرف) ويشبت وجوب الإيمان به، (ومن قِبَل الرسول) بما جاء به من الشرع كما قاله المحدثون وتبعهم الأشاعرة؛ لتوقف ثبوت الشرع عند المكلف على معرفة الله، ووجوب الإيمان به، وبصفاته الذاتية والفعلية التي منها إرسال الرسول وتشريع الأحكام، وفيه تلويح بما مرَّ من الإشارة إليه من عدم التبديع في الخلاف في التفاريع، ولذا لم يقل بالتخطئة والتبديع، (بل ينبغي أن يقول: إن العبد لا يعرف شيئا من الخير) وما يليق به، فإن الخير: حصول الشيء لما من شأنه أن يكون حاصلا له (إلا من قِبَل الله تعالى) ؛ لتوقف المعرفة على خلق الأسباب التي يتوصل بها الإنسان إلى الحق، يعني أن معرفة العبد لربه بل كل ما يعرفه من الخير الذي منه معرفة وجوب تصديق النبي فيما جاء به يثبت من قِبَل الله تعالى بما ركب في العباد من العقول، ووفق للاستدلال من قِبَل الرسول.

وما قِيل في الاعتراض على الدليل أن وجوب التصديق وحرمة الكذب بمعنى جزم العقل، بأن صدقه ثابتٌ قطعا وكذبه ممتنعٌ؛ لما قامت عليه من الأدلة القطعية مما لا نزاع في كونه عقليًّا كالتصديق بوجود الصانع.

وأما بمعنى استحقاق الثواب أو العقاب في الآجل فيجوز أن يكون ثابتا بنص الشارع على دليله، وهو دعوى النبوة وإظهار المعجزة، فإنه بمنزلة يص، على أنه يجب تصديق كل ما أخبر به ويحرم كذبه، أو بنص: {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [محمد: 33] مدفوع بأنه لو توقف الوجوب فيه وحرمة ضدّه بمعنى استحقاق الثواب أو العقاب في الآجل على نص الشارع، فإن وجب الامتثال بذلك النص في هذا الواجب قد دار، وإن وُجب بنصٍّ آخرٍ تسلسل [1] .

وإثبات المعجزة المقارنة لدعوى النبوة لا يتوقف على اعتبار كونها بمنزلة النص، فاعتباره غير مفيد، وأن ثبوت أصل الشرع موقوفٌ على العلم به عند المكلف المراد إلزامه، فكذا ثبوت كل نصٍّ من نصوصه ومنه نص وجوب الإطاعة.

وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:

الأول: أن أصل الدليل مأخوذٌ من قوله تعالى: بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ @

(1) انظر: المواقف (3/ 490) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت