الصفحة 89 من 285

وغيره، ولذا نكر (( أحد ) )وعرّف (( الصمد ) )في النظم العظيم، وإنما ذكر فيه تنصيصا على ما هو كالنتيجة للجملة السابقة، باعتبار أن من هو أحدٌ منزهٌ عن سمات النقص من الكثرة والتعدد، ولا بدَّ أن يكون مصمودا إليه في الحوائج، أو كالدليل عليها باعتبار أن من يكون صمدا على الإطلاق لا بدَّ أن يكون أحدا: أي منزها عن جميع سمات النقص، وأشار إلى نفي ما يستلزم التركيب والتعدد فيه بقوله: (لا جسم [1] ؛ لان الجسم مركبٌ@

(1) قال أبو المعين النسفي في التمهيد: صانع العالم ليس بجسم: لأن الجسم اسم للمتركب، يقال: هذا أجسم من ذلك، أي أكثر تركيبا منه. فمن أطلق هذا الاسم وعني به التركب، وزعم أنه تعالى، متركب (( متبعض ) )متجزئ كما ذهب إليه اليهود وكثير من الروافض كالجواربية والجو القية والهشامية، وكذا الحنابلة أخزاهم الله جميعا، فهو مخالف لنا في المعنى والاسم.

فنقول: معنى كثرة الأجزاء والتبعض والتجزؤ محال على الباري، تقدست صفاته لأن كل جزء منه لا يخلو إما أن يكون موصوفا بصفات الكمال، فيكون كل جزء منه حيا قادرا عالما سمعيا، بصيرا، مريدا، فيكون كل جزء إلها، فيكون فيه القول بآلهة كثيرة لا محالة، ويقع بين بعض الأجزاء والبعض تمانع، فيفسد القول بها كما يفسد بإلهين، بل هذا أولى، لأن القول بالاثنين لما كان باطلا، فالقول بما لا نهاية لعدده من الآلهة أولى أن يكون باطلا، لشمول دلالة البطلان الكل.

هذا أولى، لأن القول بالاثنين لما كان باطلا، فالقول بما لا نهاية لعدده من الآلهة أولى أن يكون باطلا، لشمول دلالة البطلان الكل. وأما أن يكون غير موصوف بصفات الكمال، فيكون موصوفا بأضدادها، وذلك من أمارات الحدث وهو محال. ولأن المتركب لا يخلو إما أن يكون طويلا أو عريضا وإما أن يكون مربعا، وإما أن يكون مخمسا، وكذا المسدس والمسبع والمثمن، إلى ما وراء ذلك. ولا وجه القول بكونه على هذه الأشكال كلها، لما فيه من الاستحالة لاجتماع المتضادات، ولا يكونه على أحد هذه الأشكال على طريق التعيين لمساواة غيره من الإشكال إياه في الجواز، فاختصاصه بأحد الجائزين لن يكون إلا بتخصيص مخصص، وفيه إدخاله تحت قدرة غيره وهو من أمارات الحدث، وبالله التوفيق.

ومن أطلق اسم الجسم على الله تعالى وعني به القائم بالذات لا المتركب كما ذهب إليه الكرامية أخزاهم الله، وهو إحدى الروايتين عن هشام بن الحكم، فالخلاف بيننا وبينه في الاسم دون المعنى وهو مخطئ. لما أنه في اللغة اسم للمتركب، فمن أطلع اسم الجسم ولم يرد به معنى التركب فقد أمال الاسم عن موجبه لغة إلى غير موجبه، وهو معنى الإلحاد، ولو جاز ذا لجاز لغيره أن يسميه رجلا، ويقول: عنيت به القائم بالذات وكذا في كل اسم مستنكر، وتجويزه خروج عن الدين، والامتناع عنه تناقض.

يحققه: أن معنى الاسم لو كان ثابتا غير إحالة لامتنعنا عن إطلاق الاسم بدون الشرع الوارد به، لأننا ننتهي في أسماء الله تعالى إلى ما أنهانا إليه الشرع، ولهذا لا نسميه طبيبا، وإن كان عالما بالأدواء، والعلل والأدوية ولا فقيها وإن كان عالما بالأحكام. فإذا لم يكن الشرع بلفظ الجسم واردا، وكان معناه الثابت لغة مستحيلا على الله تعالى كان =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت