الصفحة 90 من 285

يحتاج إلى الجزء، فلا يكون واجبا، ولأنه متحيّزٌ وهو أمارة الحدوث، وفيه إشارة إلى أنه ليس بجوهر؛ لأنه متحيز وجزء من الجسم عند المتكلمين، ولذا اكتفى عنه [1] .

وأما عند الفلاسفة فلأن ماهية الجوهر إذا وجدت في الأعيان كانت لا في موضوع: أي محلّ مقوّم للحال، وذلك إنما يُتصور فيما وجوده غير ماهيته، ووجود الواجب نفس ماهيته كما في المواقف، وإلى الردِّ على المجسِّمة المشبّهة وعلى المستترة منهم بقولهم: لا كالأجسام، كما دلَّ عليه الإطلاق.

(ولا عرض [2] ؛ لأن العرض محتاجٌ إلى المحل المقوم له، والواجب تعالى مستغن عن @

(1) إطلاقه ممتنعا. فأما لفظه الشيء فقد ورد بها الشرع، قال الله تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ} [الأنعام: 19] ، ومعناه أيضا ثابت، لأنه اسم للموجود الثابت الذات والله تعالى موجود وذاته ثابتة. فإطلاق اسم الجسم مع أن الشرع لم يرد به، واستحال أيضا معناه قياسا على إطلاق اسم الشيء والشرع ورد به ومعناه واجب غير مستحيل على الله تعالى جهل فاحش. وقولهم: إنا نقول: إنه جسم لا كالأجسام، كما نقول: إنه شيء لا كالأشياء قول فاسد، لأنهم إن نفوا بقولهم: لا كالأجسام معنى التركب، فقد أبطلوا قولهم: إنه جسم، وصاروا مناقضين، وصاروا قائلين: إنه جسم وليس بجسم، وإن لم ينفوا به معنى التركب لم ينفعهم قولهم: لا كالأجسام.

فأما قولنا: شيء لا ينفي بقولنا: لا كالأشياء معنى الثبوت والوجود الذي هو مقتضى لفظه الشيء، بل نفينا بقولنا: لا كالأشياء ما وراء مطلق الوجود من المعاني التي هي من دلالات الحدث كالجسمية والجوهرية والعرضية، فلم نعد بذلك مناقضين، وكان في قولنا: لا كالأشياء فائدة، على أنا لما عنينا بقولنا: لا كالأشياء هفي الجسمية، فإلزامنا بإطلاق لفظ ننفي به الجسمية أن نجوز إطلاق لفظة الجسم جهل بحقائق الألفاظ والمعاني، والله الموفق.

قال أبو المعين النسفي: صانع العالم ليس بجوهر: خلافا لما يقوله النصارى لعنهم الله واخزاهم، لأن الجوهر في اللغة عبارة عن الأصل. يقال للثوب إذا كان محكم الصنعة، جيد الأصل: إنه ثوب جوهري. وفلان من عنصر شريف وجوهر كريم، وسمي الجزء الذي لا يتجزأ جوهرا لكون البسائط التي تتركب منها المتركبات جارية مجرى الأصول لها، لتصور البسائط بدون التركيب واستحالة المتركبات بدون الأفراد التي هي البسائط، وإن كانت الأفراد حادثة لا عن أصل، والمتركبات حاصلة على وصف التركب في ابتداء أحوال وجودها.

ويستحيل أن يقال: إن الله جل ثناؤه وتعالى أسل للمتركبات، تتركب هي منه، فلم يكن جوهرا. ولا يقال: إنه اسم للقائم بالذات. والله تعالى قديم قائم بالذات، فنكون جوهرا لما أنه ليس في لفظ الجوهر ما ينبئ عن القائم بالذات لغة، بل هو ينبئ عن معنى الأصل، وتحديد اللفظ بما لا ينبئ عن لغة، وإخراج ما ينبئ عنه لغة عن ككونه حدا له جهل فاحش، والله تعالى الموفق.

(2) قال النسفي: إن صانع العالم ليس بعرض: لما أن العرض يستحيل بقاؤه، وما يستحيل بقاؤه لا =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت