الصفحة 92 من 285

من الأشياء (من خلقه) ، في صفة من الصفات، وحال من الأحوال، كما دلَّ عطفه على قوله: لا شريك له: أي في حقيقته، ونفي المكافئ في حقيقته، فهو نفيٌ لمشابهة المخلوقات في صفات الممكنات وأحوالها بوجه من الوجوه، كما دلَّ عليه الإطلاق.

وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:

الأولى: أنه تعالى لا يتصف بشيء من الكيفيات المحسوسات بالحسِّ الظاهر، أو الباطن، والطعوم، والروائح، والشهوة، والنضرة، والحزن، والتأسف، والغضب، والإشفاق، والتمني، والفرح؛ ولا بالآلام واللذات الحسية؛ لأنه لا يعقل منها إلا ما يخص الأجسام، وإن كان البعض منها مختصًّا بذوات الأنفس، ولأن البعض منها تغيرات وانفعالات، وهي على الله تعالى محالٌ، ولإجماع الأمة.

وفيه ردٌّ على الفلاسفة المثبتين له لذة عقلية، متمسكين بأن من تصور كمالا في نفسه فرح به، ولما كان كماله أعظم الكمالات فلا شك يكون ابتهاجه أجل الابتهاجات.

ورُدّ بأنا لا نسلم أن اللذة نفس الإدراك، وإذا كان سببا للذة فقد لا يكون ذاته: أي ذات المدرك، قابلا للذة، ووجود السبب لا يكفي لوجود المسبب من دون وجود القابل، وبالمعارضة بأنه حينئذ يجوز أن يتألم بأن يعلم أن من الناس من أنكره واتخذ له شريكا، أو حسبه جسما، وهو باطلٌ وفاقا.

الثانية: أنه لا يجري عليه تعالى ما يجري على المخلوعات من التغير والانتقال والزمان، فلا تتصف ذاته وصفاته بقبول التغير والانتقال؛ لاستلزامه الحدوث، ولا التقدر بالزمان؛ لأن الزمان متجدد، يقدر به متجدد، فلا يتصور في العديم عند المتكلمين.

وأما عند الفلاسفة فلأن الزمان مقدار حركة المحدد عندهم، فلا يتصور فيما لا يتعلق له بالحركة والجهة، فأيُّ تفسير فُسر الزمان به امتنع ثبوته الله تعالى كما في المواقف، وتوضيحه أن التغير التدريجي زمانيّ، بمعنى أنه يقدر بالزمان وينطبق عليه، ولا يتصور وجوده إلا فيه، والتغير الدفعي متعلقٌ بالآن الذي هو ظرف الزمان، فما لا تغير فيه أصلا لا تعلق له بالزمان قطعا، فتقدم الباري تعالى على العالم ليس تقدما زمانيّا عند المتكلمين القائلين بأن العالم حادث حدوثا زمانيّا، وعند الفلاسفة القائلين بأن العالم حادث حدوثا ذاتيًّا، بل هو تقدمٌ ذاتي عندهم، وقسمٌ سادسٌ من أقسام التقدم عندنا، كتقدم بعض أجزاء الزمان على بعضها، وتقدم عدم الزمان على وجوده.

الثالثة: أن بقاءه تعالى ليس عبارة عن وجوده في زمانين، وإلا لزم كونه تعالى زانيًّا، بل هو عبارة عن امتناع عدمه ومقارنته مع الأزمنة، ولا القدم عبارة عن أن يكون قبل كل @

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت