زمان، وإلا لم يتصف به الباري تعالى، بل هو عبارة عن ألا يكون الوجود مسبوقًا بالعدم، نعم وجوده تعالى مقارن للزمان ومستمر مع حصوله، وأما أنه زمانيّ أو آنيّ: أي واقع في أحدهما فلا، فليس بالقياس إليه ماض وحال ومستقبل، ولا يلزم من علمه بالمتغيرات تغير في علمه؛ لأنه إنما يلزم ذلك إذا دخل فيه الزمان.
وإذا قلنا: كان الله تعالى موجودًا في الأزل، وسيكون موجودًا في الأبد، وهو موجودٌ الآن، لم نرد به أن وجوده واقعٌ في تلك الأزمنة بل أردنا أنه مقارنٌ معها من غير أن يتعلق بها كتعلق الزمانيات، كما في شرح المواقف وغيره، (ولا يشبهه شيءٌ من خلقه) في صفاته وأفعاله، فهو متوحدٌ بصفات الكمال، لا يتصف بشيءٍ من الممكنات بخواصه، فنفي مشابهة الأشياء له تعالى يرجع إلى صفاته السلبية؛ باعتبار الرجوع إلى التوحد بصفات الكمال، فإن أوصافه تعالى من العلم والقدرة وغير لك أجلّ وأعلى مما في المخلوقات، بحيث لا مناسبة بينهما، فإن علمنا عرضٌ ومحدثٌ وقاصرٌ ومستفادٌ من الغير، وعلمه تعالى قديمٌ كاملٌ ذاتي، وكذا الحال في سائر الصفات، (وهو شيءٌ) لا كما دلّ قوله تعالى: {أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام: 19] ، على أن ذاته شيءٌ (لا كالأشياء) ، كما دلّ عليه قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] ، ولم يجعل الشيء اسمًا من أسماءه تعالى؛ لئلا يتوهم دخوله في جملة الأشياء المخلوقة.
وفيه إشاراتٌ إلى مسائل:
الأولى: أنه تعالى لما لم يكن كالأشياء فلا يتحد بها بالطريق الأولى ذاتًا أو صفةً كما زعمه النصارى، وذهبوا إلى أن الله سبحانه جوهرٌ واحدٌ: أي قائمٌ بنفسه، له ثلاثة أقانيم: أي صفات وخواص، هي الوجود والعلم والحياة، وعبروا عنها بالأب والابن وروح القدس، وأرجعوا سائر الصفات إليها، وقالوا: إن الكلمة وهي أقنوم العلم اتحدت بجسد المسيح، وتدرعت بناسوته بالإشراق أو الامتزاج أو الانقلاب، على اختلافٍ بينهم كما في شرح المقاصد.
الثانية: أنه تعالى لا يحل فيها [1] ذاتًا كما زعمه المتصوفة، وذهبوا إلى أن السالك إذا أمعن في السلوك، وخاض في لجة الوصول، فربما يحل الباري فيه، تعالى البري عن ذلك علوًّا كبيرًا، وحينئذٍ يرتفع الأمر والنهي، ويظهر من فرائب الأمور ما لا يُتصور من البشر، متشبثين بظاهر الحديث الإلهي: (( إن العبد لا يزال يتقرّب إليَّ حتَّى أُحبّه، فإذا أحببته@
(1) ) أي في الأشياء.