كنت سمعه الذي به يسمع، وبصره الذي به يبصر [1] )، وكلامهم خارجٌ عن طريق العقل والشرع كما في شرح المقاصد، والحديه مؤول بأنه: لا يسمع ولا يبسر إلا ما يستدل به الصانع تعالى وقدرته وعظمته وكبريائه.
الثالثة: أن الله تعالى لا يحل فيها ذاتًا أو وصفًا كما زعمه بعض غلاة الشيعة، وذهبوا إلى أنه لا يبعد ظهور الباري في صورة بعض الكاملين، وأولى الناس بذلك عليّ وأولاده المخصوصون، الذين هم العلم في الكمالات العلمية والعملية، ولهذا كان يصدر عنهم في العلم والأعمال ما هو فوق الطاقة البشرية كما في شرح المقاصد.
وقول الفرق الثلاثة ناشئ عن الجهل العظيم بامتناع اتحاد الاثنين، ولزوم كون الواجب هو الممكن، والممكن هو الواجب، وإنه محالٌ بالضرورة، وبأن الحال في الشيء يفتقر إليه في الجملة، سواء كان حلول جسم في مكانٍ، أو عرض في جوهرٍ، أو صفة في موصوف، والافتقار ينافي الوجوب، وبأنه لو حلّ في جسمٍ فإما في جميع أجزائه فيلزم الانقسام، أو في جزءٍ منه فيلزم أن يكون أصغر الأشياء، وكلاهما باطل بالضرورة، وبأنه لو حلّ في محلّ، فإما مع وجوب ذلك فحينئذٍ يفتقر إلى المحل ويلزم إمكانه، وقدم المحل بل وجوبه؛ لأن ما يفتقر إليه الواجب أولى بأن يكون واجبًا، وإما عم جوازه، وحينئذٍ يكون غنيًّا عن المحل، والحال يجب افتقاره إلى المحل، فيلزم انقلاب الغنيّ عن الشيء محتاجًا إليه، وهو باطلٌ بالضرورة، ولما كان الأدلة راجعة إلى الضرورة لم يصرّح بها في المقام، مشيرًا إلى انتقاء الاتحاد والحلول بالضرورة.
ولما كان في معنى الشيء خفاء أشار إلى البيان بقوله: (ومعنى الشيء الثابت) : أي الموجود؛ لأنه مصدر قد يُراد به الفاعل: أي من قام به المشيئة، ولا نزاع في وجوده وثباته، سواء كان وجوده من ذاته أو من غيره، كما ذلّ الإطلاق، وقد يُراد به المفعول: أي مُشاء الوجود، وما شاء الله تعالى وجوده فهو موجودٌ، كما هو المفهوم من المشيئة المطلعة المصروفة إلى الكامل، وعليه قوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الرعد: 16] وفيه إشارة إلى أن الشيء هو الموجود الثابت في الخارج دون المعدوم؛ لقوله تعالى: {خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئً} [مريم: 9] ، واختاره عامة المتكلمين واستدلوا عليه بوجهين:
الأول: أن القول بثبوت المعدوم في حال العدم ينفي المقدورية؛ لأن الذوات أزلية@
(1) ) رواه البخاري (5/ 2384) ، وابن حبان (2/ 58) ، والطبراني في الأوسط (9/ 139) ، بنحوه.