فهرس الكتاب
صفحة رقم: 280
و قد كنت على ان احكى اقاويل الفرس، ما دمت في شهورهم حكاية فقط؛ لا امزج بها شيئا من ذات نفسى، لغلبة الكذب والمحالات الركيكة على اخبارهم؛ ولكنّ الإخلال بالفائدة في موضعها، ترك للنصيحة. فاقول: انّ لحظة الجد والبخت الى العالم، يكون في اوقات، تسمح بالظفر، وتساعد على نيل الامانى. فالدعوات فيها، اذا مرجوّة، والدعاء المستجاب، متعلّق بالعزم الصحيح، والاعتقاد القوى، والتوكّل الصادق؛ كما قيل في الانجيل للحواريّين: «الحقّ اقول لكم إن يكن فيكم ايمان فلا تشكّوا وقلتم لهذا الجبل انتقل، فقع في البحر، كان ذلك؛ وكلّ ما سألتم بالصلاة، وآمنتم، نلتموه.» 1. ولا يشكّ في إنّ للّه، وللمتوسّطين بيننا وبينه [126 ر] من الملائكة والارواح الطاهرة المقدّسة والكواكب المسخّرة، عناية بالإصلاح ما امكن، وتربّص للإنابة والدعاء.
و من اعجب ما يدعوا الى الايمان بذلك، ما ذكره البحريون، وراكبو الفلك من التجّار:
انّهم يشدّون نشابة على الدقل، ونصلها الى فوق؛ واذا اصابتهم الشدّة، من عواصف الرياح، والامطار والامواج، واسلموا للهلاك، اخذوا في التضرّع والدعاء، وارادوا القاء ما معهم من الأمتعة، تخفيفا للسفينة، نظروا، فربّما رأوا أشياءً، كالكوكب الضخم على طرف النصل؛ فإذا رأوه، آمنوا الغرق، واستبشروا، وان كان البحر يزداد غطمطا وهيجانا؛ وربّما رأوه حينئذ في الليل، ثلاث مرّات او اربع؛ ويكون ذلك في ليالى الغيم، اكثر دون الصحو؛ وفى مواضع من البحر، دون آخر.
و قد شهد الفاضل جالينوس، وجمهور من المتفحّصين لذلك، وصدقوه؛ واذا استعين في الادعية باشكال الكواكب، كما يستعان فيها بالبروز الى الصحارى، ورفع الاصوات وتجريد الهمّ والفكرة، كان الامر زائدا في القوّة. وقد كان قدماء اهل يونان، اذا ارادوا الدعاء، جعلوا المشترى في وسط السماء مع الرأس، والزهرة في الطالع؛ وبعضهم كان يجعل احد السعدين في الطالع، والآخر في الرابع، لانّ إحداهما دليل الابتداء والآخر دليل العاقبة؛ وبعضهم كان يجعل إحداهما في التاسع، لانّه امر دينى، والآخر في الرابع، بعد ان يوافقهما، الموضع من الفلك والشكل من الشمس ولا يعاد بهما النحسان ويسعد بهما القمر سعادة مقبولة؛ ويجعل ايضا له بالكواكب الّذى يكون الدعاء من جنسه، ايضا لا محمودا قويا مقبولا.
1). انجيل متى، 21/ 21 - 23.