صفحة رقم: 071
و كانوا في الجاهليّة، يستعملونها على نحو ما يستعمله أهل الإسلام؛ وكان يدور حجّهم في الأزمنة الاربعة. ثمّ أرادوا أن يحجّوا في وقت إدراك سلعهم من الأدم والجلود والثّمار وغير ذلك، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة وفى أطيب الأزمنة وأخصبها؛ فتعلّموا الكبس من اليهود المجاورين لهم؛ ولذلك قبل الهجرة بقريب من مائتى سنة؛ فأخذوا يعملون بها ما يشاكل فعل اليهود، من إلحاق فضل ما بين سنتهم وسنة الشمس شهرا بشهورها، إذا تمّ ويتولّى «القلامس» 1 من بنى كنانة، بعد ذلك أن يقومون بعد انقضاء الحجّ؛ ويخطبون في الموسم، وينسئون الشّهر، ويسمّون التّالى له باسمه؛ فيتّفق العرب على ذلك، ويقبلون قوله، ويسمّون هذا من فعلهم «النّسيء» لأنّهم كانوا ينسئون أوّل السنة في كلّ سنتين، او ثلاث شهرا على حسب ما يستحقّه التّقدّم. قال قائلهم: «لنا ناسى تمشون تحت لوائه / يحلّ إذا شاء الشّهور ويحرم» .
و كان النّسيء الأوّل للمحرّم، فسمّى صفر به، وشهر ربيع الأوّل باسم صفر؛ ثمّ والوا بين أسماء الشهور. وكان النّسيء الثانى لصفر، فسمّى الذى كان يتلوه بصفر ايضا؛ وكذلك حتّى دار «النّسيء» في الشهور الاثنى عشر، وعاد الى المحرّم، فأعادوا بها فعلهم الأوّل. وكانوا يعدّون أدوار النّسيء، ويحدّون بها الأزمنة، فيقولون قد دارت السّنون من لدن زمان كذا، الى زمان كذا وكذا دورة، فإن ظهر لهم مع ذلك تقدّم شهر عن فصله من الفصول الاربعة، لما يجتمع من كسور سنة الشمس، وبقيّة فصل ما بينها وبين سنة القمر الذى ألحقوه بها، كبسوها كبسا ثانيا؛ وكان يبين لهم ذلك بطلوع منازل القمر وسقوطها، حتى هاجر النبىّ - عليه السلام - وكانت نوبة النّسيء، كما ذكرت، بلغت شعبان فسمّى محرّما، وشهر رمضان «صفر» . فانتظر النبىّ - صلّى اللّه عليه وسلّم - حتى دار النّسيء، وعادت الشهور الى مواضعها الحقيقية، فحجّ 2 حينئذ «حجّة الوداع» ، وخطب للناس، وقال فيها: «الا أنّ 3 الزّمان قد استدار كهيئة يوم خلق اللّه السّماوات والأرض» 4، عنى بذلك أنّ الشهور قد عادت الى مواضعها، وزال عنها فعل العرب بها؛ ولذلك سمّيت حجّة الوداع «الحجّ الأقوم» ، ثمّ حرّم ذلك وأهمل أصلا.
1). ر ش: ف 2، ب 8.
2). از «حتى ... » تا « ... فحج» در داد / طز ساقط است.
3). طز: الاوان.
4). ر ش: ف 2، ب 9.