(ثانيا) : ليس كل تأويل في بعض صفات الله تعالى، باطلا مردودا كما يزعم غلاة المثبتة (8) ، بل إذا كان التأويل قريبا يحتمله اللفظ، ولا يرده المعنى، وجب قبوله (9) .
وبعضهم رواه بلفظ: (فقال لها: أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم. . .) الحديث وهذا اللفظ الثالث هو المعتمد الموافق لما تواتر عنه (ص) كما سيأتي، فعلى الأقل إن لم يكن مرجحا لأحد الألفاظ لا يصح أن يجزم بواحدة من هذه الروايات فيها كلمة زائدة بأن تلك الكلمة صفة لله تعالى للشك فيها، بغض النظر على كونها من الآحاد أو من المقطوع به، أو من المعارض الموهم أو من المتشابه أو غير ذلك.
(8) وذلك لأن السلف الصالح أولوا بلا شك ولا ريب وتفسير ابن جرير الطبري الحافظ السلفي المتوفى سنة (310 ه) من أكبر الأدلة على ذلك والعجب ان غلاة المثبتة يزعمون أنهم متمسكون بما عليه إمام السنة أحمد بن حنبل مع أن الإمام أحمد كان مؤولا كما نقلنا عنه في المقدمة أنه أول (وجاء ربك) فقال: جاء ثوابه. وأول أشياء أخرى فهلا رموه بالتجهم والتعطيل؟! بل غلاة المثبتة يؤولون قوله تعالى: (وهو معكم) بالعلم مع أنهم ينقلون الإجماع على عدم وجوب التأويل، ويقولون أن في الآية قرينة تدل على أن المراد المعية بالعلم، ونحن نقول أن العلو والاستواء هو علو واستواء وفوقية بالقهر لأن لفظ القهر ورد في كتاب الله تعالى في قوله عزوجل: (وهو القاهر فوق عباده) ، وبلغني أن الشيخ محمد صالح العثيمين قال: وعقيدتنا أن الله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي إحاطته بكل شئ علما وقدرة وسمعا وبصرا. . . الخ فتأمل.
(9) ومثال ذلك حديث النزول وهو حديث أبي هريرة مرفوعا: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) . ورد له تأويل في حديث صحيح بأن النزول نزول ملك، فقد روى النسائي في عمل اليوم والليلة بسند صحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعا: (ان الله عزوجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا ينادي هل من مستغفر يغفر له. . .)
الحديث ولم ينفرد بهذه الرواية حفص بن غياث كما زعم الألباني فأنكرها تدليسا، بل لها شواهد ومتابعات صحيحة انظر معجم الطبراني الكبير (9/ 51) ومجمع الزوائد (1 0/ 153) ومسند أحمد (4/ 22 و 217) وكشف الأستار (4/ 4 4) وفتح.