الصفحة 14 من 88

على يدي موسى عليه السلام فقالوا مُعلنين لطاغوت فرعون {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} ، وحين هددهم بالصلب والتقطيع قالوا له {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} فاربؤوا بأنفسكم لا تكونوا حطب جنهم وأنتم لا تشعرون.

العلامة الرابعة: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} بالنفس واليد واللسان والمال، وهذه شعيرة عظيمة تدلُّ على أن من قام بها فهو محب لله قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ} وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} والآيات في ذلك كثيرة , وأما الأحاديث ففي الصحيحين أن النبي سئل: أي العمل أفضل؟ فقال:"إيمانٌ بالله وجهاد في سبيله", وفيهما أيضا عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: دلني علي عمل يعدل الجهاد قال:"لا أجده"قال:"هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر وتصوم ولا تفطر؟"قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: (إن فرس المجاهد ليستن من طوله فيكتب له حسنات) , وعن عبدا لله بن أبي أوفي رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف"رواه البخاري , وعن أنس قال: قال - صلى الله عليه وسلم:"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم"رواه الإمام احمد وأهل السنن بسند صحيح.

قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (والأمر بالجهاد وذكر فضائله في الكتاب والسنة أكثر من تحصر ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان , وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة , ومن الصلاة التطوع , والصوم التطوع ,كما دل عليه الكتاب والسنة .. وهذا باب واسع ,لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها , مثل ما ورد فيه فهو ظاهر عند الاعتبار , فإن نفع الجهاد عام لفاعله ولغيره في الدين والدنيا , ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة , فإنه مشتمل على محبة الله تعالى والإخلاص له , والتوكل عليه وتسليم النفس والمال له والصبر والزهد وذكر الله وسائر أنواع الأعمال , ممالا يشتمل عليه عمل آخر , والقائم به بين إحدى الحسنيين دائمًا إما النصر والظفر , وإما الشهادة والجنة، وإن الخلق لا بد لهم من محيا وممات , ففيه استعمال محياهم ومماتهم في غاية سعادتهم في الدنيا والآخرة وفي تركه ذهاب السعادتيين أو نقصهما فإن من الناس من يرغب في الأعمال الشديدة في الدين أو الدنيا مع قلة منفعتهما فالجهاد أنفع فيهما من كل عمل شديد وقد يرغب في ترقية نفسه حتى يصادفه الموت فموت الشهيد أيسر من كل ميتة وهي أفضل الميتات) .

العلامة الخامسة: {وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} فلا يردهم عما هم فيه من طاعة الله وإقامة الحدود وقتال أعدائه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لومة اللائمين، ولا يردهم عن ذلك رادّ، ولا يصدهم عنه صادّ، فلا يضرهم عذل العاذلين، ولا انبطاح المتعايشين، ونعق المنهزمين، وفتاوى المخذلين، وإرجاف القاعدين، وهذه علامة صحة المحبة فكلًّ مُحب يأخذه اللوم عن محبوبه فليس بمُحب على الحقيقة، قال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} وقال تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: (بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا نُنازع وأن نقوم بالحق حيثما كنا ولا نخاف في الله لومة لائم) .

وأختم الكلام بالتحذير من أن تقع أيها المسلم في المحبة الشركية التي قال الله عنها: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ} فأخبر أن من أحب من دون الله شيئًا كما يُحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دون الله أندادًا فإن هذا ندٌّ في المحبة فذم أهل الشرك بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة ولم يُخلصوها لله كما قال تعالى: {تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} ومعلوم أنهم لم يُسووهم برب العالمين على الخلق والرزق وغير ذلك من الربوبية وإنما سووهم به في المحبة والتعظيم كما في قوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ} أي: يعدلون به غيره في العبادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت