الصفحة 37 من 88

كان من المنافقين من يرجع من الخندق فيدخل المدينة، فإذا جاءهم أحد قالوا له: ويحك! اجلس، فلا تخرج. ويكتبون بذلك إلى أخوانهم الذين بالعسكر: أن ائتونا بالمدينة، فإنا ننتظركم. يثبطونهم عن القتال. وكانوا لا يأتون العسكر إلا ألا يجدوا بدًا. فيأتون العسكر ليرى الناس وجوههم. فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة.

فانصرف بعضهم من عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فوجد أخاه لأبيه وأمه وعنده شواء ونبيذ. فقال: أنت ههنا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إلي، فقد أحيط بك وبصاحبك).

ومن صفاتهم: أنهم يجمعون بين التخلف عن الجهاد وبين الاعتراض والتكذيب بقضاء الله وقدره كما قال تعالى {لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} وكما قال تعالى {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} ومعلوم أن الفرار لا يمنع من الموت أو من القتل قال تعالى: {قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا} فمضمون هذه الآيات أن المنايا مقدرة محتومة. فكم ممن حضر القتال فسلم. وكم من فر من المنية فصادفته. فهذا سيف الله المسلول خالد بن الوليد لما احتضر كان ببدنه بضع وثمانون، ما بين ضربة بسيف وطعنه برمح، ورمية بسهم، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير. فلا نامت أعين الجبناء.

ولم نتكلم عن الدولة ومنافقيها من العلمانيين والحداثيين وغيرهم ممن اتضح للناس كفرهم ونفاقهم، وإنما أردنا أن نتكلم على من التبس أمرهم عند بعض طلبة العلم والعوام، لما لهم من السابقة في الإنكار والدعوة، فأردنا التنبيه على ذلك، والله من وراء القصد.

ثم احذروا يا أهل الجهاد أن تخترقوا من قبل المنافقين، فكم سقطت من دولة وكم أحبطت من عملية ضد الكفار وكم قتل من أولياء الله وكشفت مخططاتهم من قبل هذا العدو فاحذروا يا أهل الجهاد من النفاق أن تقعوا فيه واحذروا أهله. فإن أهله ذوي فصاحة وبلاغة و أشكال حسنة قال تعالى {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} فهم قوم يجلبون الناس إليهم بحسن أجسامهم وجمال منطقهم لكن حقيقتهم هم العدو فاحذرهم.

ثم احذروا يا أهل الجهاد مما يفسد جهادكم أو ينقصه. فلله الحمد والمنة رايتكم واضحة وعقيدتكم سالمة من الشرك وأنواعه وخالية من البدع والأهواء نحسبكم كذلك والله حسيبكم ولا نزكي على الله أحد إذًا حافظوا على ذلك بسلامة نيتكم في القتال لقوله عليه الصلاة والسلام"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"، في الصحيحين من حديث أبي موسى قال"جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر والرجل يقاتل ليرى مكانه فمن في سبيل الله؟ قال:"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"وفي بعض الألفاظ الرجل يقاتل حمية ويقاتل شجاعة. وعند النسائي عن أبي أمامة قال جاء رجل فقال: يا رسول الله: أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله؟ قال لا شيء له، فأعادها ثلاثا كل ذلك يقول"لا شيء له"، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ابتغي به وجهه"وجاء عند مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه، رجل استشهد، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال: كذبت ولكن قاتلت لأن يقال: جريء، فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار"وعن عبد الله بن عمرو قال يا رسول الله، أخبرني عن الجهاد والغزو، فقال:"يا عبد الله بن عمرو، إن قاتلت صابرًا محتبسًا بعثك الله صابرًا محتسبًا، وإن قاتلت مُرائيًا مكاثرًا بعثك الله مُرائيا مكاثرًا، يا عبد الله بن عمرو، على أي حال قاتلت أو قتلت بعثك الله على تلك الحال"رواه أحمد وأبو داود"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت