وأمرنا أن نخلص له وحده الدعاء بخلاف ما عليه المشركون، قال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} أي لا تريدوا ولا تقصدوا في دعائكم إلا الله، ولا تأخذكم في الله لومة لائم لأن الكفار يكرهون إخلاصكم لله غاية الكراهة، كما قال تعالى: {وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} ولا يثنينّكم ذلك عن دينكم قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} أي أمركم بالاستقامة في عبادته ومتابعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - المؤيد من قبل ربه، وأعظم ما يكون ذلك هو بإخلاص الدعاء والطاعة لله وحده قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} واعلم أخي المسلم أن هناك أمورًا منهيًّا عنها في الدعاء منها:
1 -الاستعجال أو الدعاء بإثم أو قطيعة رحم لما أخرج مسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا يزال يستجاب للعبد مالم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل"قيل: يا رسول الله: ما الاستعجال؟ قال:"يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي، فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء".
2 -الدعاء على الأهل والمال عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم)"رواه مسلم وأبو داود وبوَّب عليه باب النهي أن يدعو الإنسان على أهله وماله.
3 -الدعاء بتمني الموت لضرٍّ نزل به عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا يتمنين أحد الموت لضر نزل به فإن كان لابد متمنيًا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي"قال أنس - رضي الله عنه - لولا أني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا تتمنوا الموت لتمنيته"رواه البخاري ومسلم. وفيهما عن قيس بن أبي حازم قال:"دخلنا على خباب وقد اكتوى سبع كيات في بطنه فقال: لولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به".
4 -ألا يعلق دعاءه بالمشيئة، عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء ولا يقل إن شئت فأعطني فإن الله لا مستكره له) متفق عليه، ولهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته، إنه يفعل ما يشاء، لا مكره له"فدلت هذه النصوص على وجوب العزم في المسألة وتحريم تعليق ذلك بالمشيئة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه. قال سفيان ابن عيينة رحمه الله: (لا يمنعن أحدًا الدعاء ما يعلم في نفسه - أي من التقصير - فإن الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال: {رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} ) ."
وكذلك هناك أمور تكره في الدعاء، منها:
السجع وهو موالاة الكلام على رويٍّ واحد، قال البخاري رحمه الله في صحيحه: باب ما يكره في السجع في الدعاء، ثم ذكر قول ابن عباس لعكرمة: (فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه لا يفعلون إلاّ ذلك الاجتناب) واعلم أن المكروه في السجع هو المتكلف لأنه لا يلائم حضور القلب والتذلل والضراعة.
ويكره الدعاء بتعجيل العقوبة في الدنيا عن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاد رجلًا من المسلمين قد خَفَتَ فصار مثل الفَرْخ فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"هل كنت تدعو بشيء أو تسأله إياه؟"قال: نعم، كنت أقول اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله