الصفحة 54 من 88

لي في الدنيا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"سبحان الله! لا تطيقه، أو لا تستطيعه، أفلا قلت: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"قال: فدعا الله له فشفاه.

ويكره الاعتداء في الدعاء ورفع الصوت لقول الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} روى أحمد وأبو داود بإسناد جيد أن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - سمع ابنه وهو يقول: (اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا) فقال: (يا بني إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر") زاد أحمد (قال له سعد قل:"اللهم أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل"وكذا جاء عن عبد الله بن مغفل - رضي الله عنه -.

وأما رفع الصوت فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصما ولا غائبا فإنما تدعون سميعا بصيرا"متفق عليه عن أبي موسى - رضي الله عنه -.

قال الحسن البصري رحمه الله: (إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزوار وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون على أن يعملوه في السر فيكون علانية أبدًا، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم وذلك أن الله تعالى يقول: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحًا رضي فعله فقال: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا} .

واعلم أيها المسلم وخاصة أنت أيها المجاهد أنك لن تخسر في دعائك أبدًا، وهذا من فضل الله ورحمته وكرمه وجوده ولطفه بعباده، أخرج أحمد بسند جيد من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها"وجاء عند الترمذي وصححه من حديث عبادة وزاد (فقال رجل من القوم إذًا نكثر قال:"الله أكثر") .

قال ابن حجر: (فائدة الدعاء هو تحصيل الثواب بامتثال الأمر والاحتمال أن يكون المدعو به موقوفا على الدعاء لأن الله خالق الأسباب ومسبباتها) .

بل أعظم من ذلك معية الله لعبده الداعي، في الصحيحين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إن الله يقول أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني"هذا لفظ مسلم.

واعلم أخي المسلم بأن هناك أوقاتًا زمانيةً ومكانيةً يتحرى فيها إجابة الدعاء من ذلك: السجود، وثلث الليل الآخر، وبين الأذان والإقامة، وبعد الوضوء، وبعد التشهد، وأدبار الصلوات، وبعد فعل الطاعات، ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب، وساعة يوم الجمعة، ومجالس العلم، ويوم عرفة لأهل عرفة، ودعوة المسافر، ودعوة الصائم، ودعوة المظلوم، وعند ملاقاة العدو، وأن هذه قد صحت الآثار فيها.

وهناك آداب للدعاء ومنها: أن يكون على طهارة، واستقبال القبلة، ورفع اليدين، وتقديم التوبة والاعتراف بالذنب، وافتتاح الدعاء بالحمد والثناء، ثم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والسؤال بأسماء الله الحسنى، وأن يلازم الطلب ولا ييأس من الإجابة وليعزم في المسألة بقلب حاضر وبتملق. وليقدم بين يدي دعائه صدقة، فمثل هذا - بإذن الله - لا يرد دعائه، إذا خلا من الموانع كأكل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت