أسمعتم ما وصف الله به نفسه وما جاء به يا دعاة الديموقراطية الكافرة اللعينة، ويا من يتحاكم إلى الهيئات الطاغوتية والأنظمة الجائرة والقوانين الوضعية؟ ويا أصحاب الدعوات العلمانية الشهوانية .. اسمعوا يا أيتها الخنازير البشرية أصحاب الفكرة الكافرة الخاطئة الخاسئة، قال تعالى: {كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} يا أصحاب الأفكار الفاجرة المخالفة للحس والعقل، وللوحي السماوي وتشريع الخالق الباري: {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: في قوله وفعله وقضاءه وقدره وأمره ونهيه وثوابه وعقابه.
يا سبحان الله! ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي، واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر؟! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر؟ حُرِموا والله الوصول بعدولهم عن منهج الوحي، وتضييعهم الأصول، وتمسكوا بأعجازٍ لا صدور لها، فخانتهم أحرص ما كانوا عليها، قال تعالى: {وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} . دَرَسَت معالم القرآن في قلوبهم فليسوا يعرفونها، ودَثَرت معاهده عندهم فليسوا يعمرونها، ووقعت ألويته وأعلامه من أيديهم فليسوا يرفعونها، وأفَلَت كواكبه النيرة من أفاق نفوسهم فلذلك لا يُحبونها، وكسفت شمسه عند اجتماع ظلم آرائهم وعقدها فليسوا يبصرونها. فياَ شِدَّة الحسرة عند ما يعاين المبطل سعيه وكَدَّه هباءً منثورًا، ويا عُظْمَ المصيبة عند ما يتبين بَوارقَ أمانيه خُلَّبًا وآماله كاذبة غرورًا، فما ظنُّ من انطوت سريرته على البدعة والهوى، والتعصب للآراء بربه يوم تُبلى السرائر؟ وما عذر من نبذ الوحيين وراء ظهره في يوم لا تنفع الظالمين فيه المعاذر؟ أفيظن المعرض عن كتاب ربه وسنة رسوله أنْ ينجوا من ربه بآراء الرجال؟ أو يتخلص من بأس الله بكثرة البحوث والجدال، وضروب الأقيسة وتنوع الأشكال، أو بالإشارات والشطحات، وأنواع الخيال؟ هيهات والله، لقد ظن أكذبَ الظن وَمَنَّتْهُ نفسه أبين المحال، وإنما ضُمنت النجاة لمن حَكَّم هدي الله على غيره، وتزود التقوى وائتم بالدليل، وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من الوحي بالعروة الوثقى [1] ، قال تعالى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} ، وقال تعالى: {وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} .
وقد ذكر الله عز وجل منته على كليمه موسى وأخيه هارون عليهما السلام فقال: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} ثم قال بعد ذلك: {وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيم} ، ولما وصف خليله محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه على طريق لا اعوجاج فيه من الهدى وهو الإسلام، فقال: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} فهذا وصفٌ له صلى الله عليه وسلم ولدينه الذي جاء به والقرآن الذي أنزل عليه.
وهذا وصفٌ لدعوته صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} أي: إنك يا محمد لتدعوهم إلى دين الإسلام وهو الطريق القاصد والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، كما قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} واعلم أن من تمام النعمة على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن غفر له ذنبه متأخره ومتقدمه أتم ذلك عليه بقوله: {وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا} وأنه صراطٌ مفصلٌ واضحٌ بين لمن أراد الله شَرْحَ صدره، قال تعالى: {وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} .
يا من يطلب نجاته .. والله ليس لك خيار إلا طريقٌ واحد، هو الطريق الموصل إلى الله، وهو ما بعث به رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل به كتابه، لا يمكن أن يصل أحدٌ إلا من هذا الطريق، ولو أن الناس أتوا بكل طريقٍ واستفتحوا من كل باب، فالطرُقُ عليهم مسدودة والأبواب مغلقة إلا الطريق السوي الموصل إلى الله الذي أمر الله باتباعه فقال: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}
(1) من كلام ابن القيم بتصرف.