الصفحة 84 من 88

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خطّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًا ثم قال: هذه سبيل الله، ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال:"هذه سُبُلٌ على كل سبيلٍ شيطان يدعو إليه"ثم قرأ {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} رواه أحمد بإسنادٍ جيد. قال حذيفة رضي الله عنه:(يا معشر القرَّاء استقِيموا فقد سَبَقْتُم سبقًا بعيدًا , فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا) رواه البخاري. فالطريق الموصل إلى الله واحد، وهو الصراط المستقيم، وبقية السبل كلها سبل الشيطان، من سلكها قطعت به عن الله، وأوصلته إلى دار سخطه وغضبه وعقابه.

ورحم الله ابن القيم حيث قال:(ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمرٍ أكثرُ الناس ناكبون عنه، مريدًا لسلوك طريقٍ مرافقه فيها في غاية القلة والعزة، والنفوس مجبولة على وحشة التفرّد، وعلى الأنس بالرفيق، نبّه الله سبحانه على الرفيق في هذا الطريق وأنهم هم: {الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} . فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرّده عن أهل زمانه وبني جنسه، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كم قال بعض السلف: عليك بطريق الحق ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغترّ بكثرة الهالكين.

وكلما استوحشت في تفرّدك فانظر إلى الرفيق السابق، واحرص على اللحاق بهم، وغضّ الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا، وإن صاحوا بك في طريق سيرك فلا تلتفت إليهم، فإنك متى التفتّ إليهم أخذوك وعاقوك) .

إذًا أخي المسلم إذا عرفت الطريق المستقيم فاحمد الله على ذلك واستقم على سلوكه، خاصة في هذا الزمان الذي قل فيه المعين على الحق والثبات عليه، فإذا رأيت السائرين إلى الله وإلى جنته بلزوم التوحيد والسنة والجهاد فاستقم معهم، واحذر أن تنحرف عنهم يمنة أو يسرة فتهلك مع الهالكين. أي الرجلين أهدى من كان تائهًا في الضلال غارقًا في الكفر، قد انتكس قلبه واسود فصار الحق الأبلج عنده باطلًا، والباطل المُظلم حقًا؟

ومن كان عالمًا بالحق، موثرًا له، عاملًا به في جميع أحواله، على طريق واضح بَيِّن، وهو في نفسه مستقيم وطريقه مستقيمة، أيهما أهدى قال تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} . وهذه الاستقامة هي التي أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بها فقال: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} . وهذا أمر له ولأمته كما قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} .فبين الله تعالى أن الاستقامة على ما أمر الله وفرض لا على ما يرى العبد من المصالح والآراء والقياس الفاسد , إنما الأمر اتباع وانقياد.

أخرج مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولًا، لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال:"قل آمنت بالله ثم استقم". والعبد مهما سعى في الاستقامة فلا بد من وجود خلل وتقصير فأمره ربه بالاستقامة والاستغفار، فقال تعالى: {فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ} . فيجبر هذا النقص بالاستغفار المُقتضي للتوبة والرجوع. فعن عائشة رضي الله عنها قال صلى الله عليه وسلم"سددوا وقاربوا"متفق عليه. ولهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"سددوا وقاربوا، واغدوا وروحوا، وشيء من الدُّلْجَة، والقصد القصد تبلغوا". والمراد بالتسديد: هو العمل بالسداد والاستقامة عليه، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم به عليًا فقال:"قل اللهم اهدني وسددني، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم"رواه مُسلم. إذًا السداد هو الإصابة في جميع الأقوال والأعمال والمقاصد. فإن لم تستطع على السداد فالمقاربة وهي: أن يقرب من الاستقامة بحسب طاقته، كالذي يرمي الغرض، فإن لم يُصبه يقاربه. فإن طريق القصد والمقاربة أقل من السداد في العمل، لكنه لم يخرج عن الجادة وهي الصراط المستقيم، واعلم أن الاقتصاد في السنة خير من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت