الاجتهاد الذي يكون على انحراف عن الصراط المستقيم. أخرج مالك بلاغًا وأحمد وابن ماجة مسندًا عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"استقيموا ولن تُحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" [1] .
قال ابن عبد البر: (قوله سددوا وقاربوا يُفسر قوله استقيموا ولن تحصوا، يقول سددوا وقاربوا، فلن تبلغوا حقيقة البر ولن تطيقوا الإحاطة بالأعمال، ولكن قاربوا، فإنكم إن قاربتم ورفقتم كان أجدر أن تدوموا على عملكم) أ. هـ.
واعلموا أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال: (يا أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون , فإن الله لا يمل حتى تملّوا , وإن أحب الأعمال إلى الله ما دووم عليه وإن قلّ) وكان آل محمد صلى الله عليه وسلم إذا عملوا عملا أثبتوه. وقال صلى الله عليه وسلم:"أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"قال القاسم بن محمد: (وكانت عائشة إذا عملت العمل لزمته) . وقال:"اكلفوا من الأعمال ما تُطيقون". وقال:"سددوا وأبشروا"كلها عن عائشة رضي الله عنها في الصحيحين. ولهما عن عبد الله بن عمرو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا عبد الله , لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل". ولهما عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان أحب العمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يداوم عليه صاحبه) . وسألها مسروق فقال: أي العمل كان أحب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالت: (الدائم) . إذًا فالطريق إلى الله هو سلوك صراطه المستقيم الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه وأمر الخلق كلهم بسلوكه والسير فيه. فالشأن كل الشأن أن تتعرف إلى الله في كل أيامك وشهورك وسنواتك، {وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} . وعبادة الله لا تنقطع دون الموت مع وجود العقل، قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ} . فإن اليقين هنا هو الموت بإجماع أهل التفسير، كما قال الله عن أهل النار {وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} . وكما في صحيح البخاري في قصة موت عثمان بن مضعون رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أما عثمان فقد جاءه والله اليقين". وأما من زعم أنه يصل إلى درجة تسقط عنه فيها التكاليف والعبادة فلا واجب ولا حرام عليه، فهذه في الحقيقة منزلةٌ عالية في الزندقة والكفر بالله ورسوله، وهذا ما يقع عند غلاة الصوفية الذي هلك طاغوتهم الأكبر [محمد بن علوي مالكي] قريبًا أسأل الله أن يخلي منهم الدور ويملأ منهم القبور، وأن يتابع بهلاك كل طاغوت وزنديق ومرتد.
واعلم أن طريق الحق قليل سالكه، ومن سلكه ربما يرجع في أثناء الطريق وينقطع، نعوذ بالله من الحور بعد الكور، ومن الضلالة بعد الهدى، فإن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يُقلبها كيف يشاء، {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} . إذا كان الثبات عزيزًا فتضرع بين يدي مولاك بأن يُثبتك على دينه، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء} . قال ابن جرير رحمه الله: وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم وفي الآخرة بمثل الذي ثبتهم به في الحياة الدنيا وذلك في قبورهم حين يسألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم. وقد بين الله عز وجل نعمته على أهل الاستقامة عند الموت بتبشير الملائكة له بذهاب الخوف والحزن والتبشير بالجنة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} .
ومن كرم الله ورحمته أنه قال: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) متفق عليه عن أبي هريرة. وفي المسند بسند جيد عن شريح قال سمعت رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال تعالى (يابن آدم قم إلي أمشِ إليك، وامش إلي أهرول لك) .
(1) قال ابن عبد البر رحمه الله: (حديث ثوبان يتصل من طرق صحاح ثابتة من حديث الكوفيين والشاميين) . قلت وكل طرقه ما تخلو من مقال، لكن مجموع الطرق يقوي بعضها بعض. ويكون الحديث لا بأس به، وفي الباب عن عبد الله ابن عمرو وأبي أمامة وغيرهما.