الصفحة 86 من 88

واعلم أن من أعظم أسباب الاستقامة والثبات على الدين هو إظهار العداوة للكفار وعدم الركون إليهم وعدم موالاتهم وهي التي أمر الله نبيه وعباده بملازمتها , قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} فجعل الله الركون إليهم سبب للهزيمة والخذلان , وقد امتن الله على نبيه صلى الله عليه وسلم بعدم الركون إلى أعدائه {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا} . أخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا نبي الله إني أسألك بوجه الله عز وجل بم بعثك ربك إلينا؟ قال: بالإسلام. قال قلت: وما آيات الإسلام؟ قال:"أن تقول أسلمت وجهي إلى الله عز وجل وتخليت، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران، لا يقبل الله عز وجل من مُشرك بعدما أسلم عملًا أو يُفارق المشركين إلى المسلمين". فأمره بالتخلي عن المشركين وهو نبذهم والبراءة منهم ومما يعبدون، وهذه ملة إبراهيم الذي أخبر الله بأنه مهدي إلى صراط مُستقيم. قال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ وَآتَيْنَاهُ فِي الْدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} . ولذا وصف الله ملته وأمرنا باتباعها بقوله: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ} .

وإن من أسباب الاستقامة والثبات عليها المبادرة للأعمال والتنافس فيها فلا يزال العبد متنقلا في منازل العبودية دائبًا في سيره ذلك فإن رأيت العلماء رأيته معهم , وإن رأيت العبَّاد وجدته في العبادة معهم , وإن رأيت المجاهدين رأيته في صفوفهم , وإن رأيت المتصدقين رأيته من المحسنين معهم , وإن رأيت الذاكرين رأيت لسانه لا يفتر , وإن رأيت من حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كل شاغلٍ يشغله عنه رأيته من ضمنهم. قال تعالى: {مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} .

ومع ذلك تجده أحرص الناس على القيام بالفرائض لأنها أحب ما تكون عند الله، فهو يتتبع ما يحب الله بدءً بالأهم فالأهم، كما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب , وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه , وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه , فإذا أحببته: كنت سمعه الذي يسمع به , وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذتي لأعيذنه ..."الحديث.

وإن من أهم أسباب الاستقامة إتباع العلمِ بالعمل قال تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}

ومن أسباب الاستقامة دعاء المولى بلزومها والثبات عليها، كما في الدعاء في قراءة الفاتحة، في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} ، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول:"اللهم مُصرِّفَ القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك"رواه مسلم.

ومن أسباب الاستقامة: جهاد الكفار، كما قال تعالى: {وَالّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} .

قال ابن جرير رحمه الله:"أي لنوفقنهم لإصابة الطريق المستقيمة, وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم وَإنّ اللّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ يقول: وإن الله لمع من أحسن من خلقه, فجاهد فيه أهل الشرك, مُصَدّقا رسوله فيما جاء به من عند الله بالعون له, والنصرة على من جاهد من أعدائه"وقال تعالى: {فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت