فالله سبحانه خلق الخلق وكتب المقادير بيده الملك، يدبر الأمر، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، أحاط بكل شيء علمًا، قال سبحانه: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [الأنعام: 59] ، وقال: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} [الجن: 28] ، وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253] ، إن هذه العقيدة فجرت في نفوس الصحابة آمالًا فسعوا إلى تحقيقها، وجَدُّوا في بلوغها، لم يُثنهم عائق، ولم يَصدهم وهْم، ولم يُرهبهم تهديد، فغيروا الدنيا وسادوا بهذه العقيدة، وكانوا لمن بعدهم مصدر إلهام وعزٍّ يزرع الأمل، وينشر النور، ويُبدد ركام اليأس.
ثانيًا: حقيقة الحياة:
خلق الله الدنيا مرحلة بعدها مراحل، فليست نهاية المطاف، وليست محلًا لمقارنة المكاسب والخسائر، وليست الميدان الأخير، إنما هي اختيار وعمل، وكل ما فيها يؤول يوم القيامة إلى حساب؛ فجنة أو نار، قال سبحانه: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا