أن طعن إلا أن يقول: «فزت ورب الكعبة» [1] .
وبهذا يتحرر المؤمن من ربقة الجاهلية التي تحاصره بماديتها الضخمة من أجل طعنه برمح اليأس ونزع الأمل من قلبه؛ عسى أن يكلَّ عن العمل لدينه، أو يمل من الثبات على مبدئه.
إن صبر المؤمنين ينبوعٌ يحفظه لهم ثباتهم على الدين حتى ينجلي الكرب، وهم لم يتركوا من دينهم ما يُلامون عليه، ومن أروع الأمثلة على ذلك حصار الشعب الذي دام ثلاث سنين والرسول - صلى الله عليه وسلم - يتحمل شدته ويشاركه في ذلك من معه من قومه، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - صابر ثابت لم يترك شيئًا من دعوته، ولم يغير حرفًا من منهجه، ولم يحذف كلمة واحدة كانت تغضب الكفار. إن الصبر بالثبات على المبدأ ثمرة عظيمة للصبر، ونصر يسبق النصر ... {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} [الروم: 60] .
ولذلك فإن المؤمن يسعد بصبره على مبدئه، وتطمئن نفسه بما جرى وبما يجري، حيث يستلهم فيضًا إلهيًا يتنزل عليه بالسكينة والرحمة والبشرى، فما أعمقها من معاني تفجر في النفس ينابيع الأمل تحت مطارق
(1) القصة في صحيح البخاري، رقم 2647، ومسلم، ك 33، ب 147.