نقول أن ابن حجر ـ رحمه الله ـ أجاب عن هذا فقال: إن من رتل وتأمل كمن تصدق بجوهرة واحدة ثمينة ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر لكن قيمتها قيمة الواحدة وقد تكون قسمة الواحدة أكثر وقد يكون العكس.
والصحيح: أن من أسرع في القراءة فقد اقتصر على مقصد واحد وهو ثواب القراءة.
ومن رتل وتأمل وتدبر فقد حقق المقاصد كلها وكل انتفاعه بالقرآن واتبع هدى النبي وصحابته الكرام.
ثم تأمل هذا الأثر عن تميم الداري أنه أتى المقام فاستفتح الجاثية فلما بلغ (( أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُم سَاء مَا يَحْكُمُونَ ) )فجعل يرددها ويبكي حتى أصبح فتأمل مع أن الركعة في الحرم بمائة ألف إلا أنه بقي في ركعة واحدة حتى الصباح بسبب تدبره وتأمله في آية.
فهذا يدل على أن السلف كانوا يفقهون أن التدبر أفضل من القراءة الكثيرة بغير تدبر. ولذا جاء في الحديث: (( إن الرجل ليصلي الصلاة وما كتب له إلا نصفها إلا ثلثها إلا ربعها ... إلى أن قال إلا عشرها ) )وذلك بحسب ما عقل منها وتدبر فيها من الأذكار والقرآن وخشع قلبه فيها.
فكذلك قراءة القرآن يكون الثواب فيها بحسب حضور القلب وتأثره وخشوعه وتدبره لمعاني القرآن.
ولذلك قال ابن القيم كما مر: (( قراءة آية بتفكر وفهم خير من قراءة ختمة بغير تدبر وتفهم وأنفع للقلب وأدعى إلى حصول الإيمان وذوق حلاوة القرآن وهذه كانت عادة السلف يردد أحدهم الآية إلى الصباح ) )
وقد ثبت ذلك عن إمام السلف محمد صلّى الله عليه وسلّم: أنه قام ليلة كاملة إلى الصباح بآية (( إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ).
إن الانتقال من مرحلة قراءة القرآن باللسان فقط إلى مرحلة حضور القلب عند تلاوته وتدبر معانيه يحتاج إلى صبر وجهد خاصةً في البداية ويحتج كذلك إلى تدريب وممارسة عملية فكما نتدرب على القراءة الصحيحة وتطبيق أحكام التلاوة علينا أن نتدرب على كيفية تدبر القرآن واستخراج المعاني منه وتحويلها إلى واجبات عملية.