قال تعالى: {وتقلّبك في الساجدين} . الشعراء:219. أي: في أصلاب الآباء من الأبناء. ومن دلالات السجود أن السجود قضية حياة، وهي قضية البشر في سجودهم، وفي جحودهم. في كبرهم شقاء، وفي سجودهم عطاء، وفي كبرهم منع، والله هو المعطي، وهو المانع، وأن غير الله لا يستحق السجود. والقرآن يعلمنا أن نسجد لواحد، وهو الواحد الأحد، وعند الشعور بالعزة تأتي السجدة.
وكذلك فرّق القرآن الكريم بين حياتين: بين السجود لفرعون الذي زين لقومه أنه إله، وحضر تمثيلية السحر، وأتى بقومه في يوم الزينة، وجاء سيدنا موسى في هذا الحشر العظيم، وحدث الجدال، قال تعالى: {فألُقي السحرة سجّدًا قالوا آمنا بربِّ هارون وموسى} . طه:70. فقد أحس السحرة بلذة السجود لله، وحقيقة العزة لخالق السموات والأرض، فمن فرعون؟ وما ملكه؟ ومن جنوده؟ هل يترك الخالق، ويعبد المخلوق؟ هل يترك الرب ويعبد العبد؟ شيء عجيب أحس به السحرة، وكانوا جنودًا لفرعون. وفي زيف البهاء والبريق اللامع الذي لا أصل له، عندئذٍ تركوا دين الخضوع لغير الله. هذا هو التاريخ الذي جاء به القرآن عن الأمم السابقة؛ ليبدأ الإسلام بالسجود عند الكعبة: موطن الكفر، والسجود لغير الله؛ الأن المشركين كفروا وسجدوا للأصنام: اللات، والعزّى، ومناة، وهُبل، إلى أن بلغ العدد ثلاثمائة وستين صنمًا، أحاطت بعقولهم وأفكارهم، والشيء الذي يُضيّع كل هذا هو الرجوع إلى الحق. وقد استمر السجود لغير الله زمنًا، وفي لحظة واحدة إذ جاء النور يبدد الظلام، فكانت السجدة كاذبة مدعية كافرة ملحدة، قال تعالى: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} . العلق:19. فالسجود قرب، وحبٌّ، وعبادة، وهوية. والله مولانا، وهو أولى بنا؛ فالأمة التي تسجد لله رؤوسها في الأرض، وقدرها في السماء أمة ساجدة.
وسميت بيوت الله بالمساجد، وعندما أراد الله أن يكرم رسوله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة الإسراء والمعراج بدأ الإسراء من المسجد الحرام، وانتهى إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السموات العلا، وفرضت عليه الصلاة، إنّ مكان السجود هو مكان رقيّ وشرف وعلو وعطاء واستجابة؛ فعندما نضع رؤوسنا على الأرض فقد وضعنا العقل والعلم والخبرات، ففي كل سجدة شكر لله تعالى.