ولعل الصفة الاحتكاكية لصوت الجيم عند البعض، وصفة الشدة له عند البعض الآخر -خاصة العرب القدماء- تمثلان هيئة المصلى الوسطية بين القيام والسجود كوسطية عضوي المخرج عند النطق بالجيم، وكذلك وسطية النطق بين صوت السين الاحتكاكي، وبين صفة صوت السين الاحتكاكية، وصفة صوت الدال الشديدة الانفجارية.
وأما صوت الدال: فمخرجه عند سيبويه: طرف اللسان وأصول الثنايا العليا. وهو صوت شديد مجهور، يكون بأن يندفع الهواء مارًّا بالحنجرة، فيحرك الوترين الصوتيين، ثم يأخذ مجراه في الحلق والفم، حتى يصل إلى مخرج الصوت، فينحبس هناك فترة قصيرة جدًا لالتقاء طرف اللسان بأصول الثنايا العليا التقاءً محكمًا، فإذا انفصل اللسان عن أصول الثنايا سمع صوت انفجاري نسميه (الدال) .
فالتقاء طرف اللسان بأصول الثنايا العليا يعد حائلًا يعترض مجرى الهواء، ولا يسمح بتسربه حتى ينفصل العضوان انفصالًا مفاجئًا يتبعه بعد ذلك الانفجار. وحرف الدال يدل على التقاء الجبين بالأرض، ودنوّه من الأرض في السجود [1] .
وكما هو واضح فإن صفتي الشدة والجهر اللتين يمتاز بهما صوت الدال في مخرجه يتناسبان إلى حدٍ ما مع حركة الإنسان في سجوده على الأرض، فصفة الشدة المتمثلة في التقاء طرف اللسان مع أصول الثنايا العليا، وحبسه للهواء حبسًا محكمًا لا يسمح له بالخروج مطلقاَ، يشبه حركة وضع أعضاء الجسم على الأرض عند السجود من الجبين، والكفين، والركبتين، والقدمين؛ إذ لا يكون للشيطان سبيل على المصلي، ولا يسمح له بالدخول إليه من خلالها، كما يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم: يسجد ابن آدم على سبعة أعضاء . وقال المفسرون: إن ابن آدم يسجد على سبعة أعضاء كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنص الصحيح من الحديث.
كما أن صفة الجهر تتناسب مع الصوت الذي ينتج عن وضع هذه الأعضاء على الأرض عند السجود، وما يصدر عنها من صوت للركبتين، واليدين. ولعل هذه الحروف بمخارجها وصفاتها تدل على سرعة الإقبال عليه في خشوع ورغبة في التذلل إليه في حبّ وخضوع، وتطبيق ذلك كله بهيئة وضع الأعضاء للجسم في السجود والركوع.
(1) فقه اللغة: علي وافي، ص:220.