ومن ذلك قوله رحمه الله عند تفسيره لآية الوضوء في سورة المائدة، وحديثه عن المسح على الخفين: (( وأما قول جرير [1] : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح [2] ،وكان إسلامه بعد المائدة [3] ، فروايته لا تقبل مع إنكار أمير المؤمنين عليه
السلام [4] ،ولأنه لحق بمعاوية [5] ، فكان ذلك قدحًا. هذا كلام أهل المذهب، والمسألة إجماعية بين أهل البيت [6] عليهم السلام [7] .
(1) جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك البجلي , الصحابي الشهير، اختلف في وقت إسلامه. كان جميلًا، حتى قال فيه عمر بن الخطاب: هو يوسف هذه الأمة، سكن قرقيسيا حتى مات سنة (51 هـ) ، وقيل سنة (54 هـ) ، روى الطبراني فيه من حديث علي - رضي الله عنه - مرفوعًا: (( جريرٌ منا أهل البيت ) ) (ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي، الإصابة في تمييز الصحابة، بيروت دار الفكر، 1398 هـ، 1978 م، ج 1 ص 232، رقم 1136) .
(2) البخاري، الصلاة، باب الصلاة في الخفاف، مسلم، الطهارة. باب المسح على الخفين، أبو داود، الطهارة، باب المسح على الخفين، الترمذي، الطهارة، باب المسح على الخفين، وقال: حديث حسن صحيح، النسائي، الطهارة، باب المسح على الخفين، ابن ماجه، الطهارة وسننها، باب ما جاء في المسح على الخفين.
(3) روى أبو داود في سننه: أن جريرًا بال ثم توضأ فمسح على الخفين وقال: ما يمنعني أن أمسح، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح؟ قالوا: إنما ذلك قبل نزول المائدة، قال ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. (الطهارة، باب المسح على الخفين) .
(4) قال القاضي أبو بكر العربي الإشبيلي: (( ورووا عن علي ـ أي الشيعة ـ أن أبا مسعود قال له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الخفين، فقال أقبل نزول المائدة أم بعدها؟ فسكت أبو مسعود ) ). وهذا إن صح محمول على أنه كان سؤال امتحان لا سؤال استعلام، بل الصحيح عن علي المسح على الخفين كما روى مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه وغيرهما. (( عارضة الأحوذي بشرح الترمذي، ط أولى، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418 هـ، 1997 م، 1 ص 118 ) ).
(5) ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله (( أن جريرًا - رضي الله عنه - سكن الكوفة وأرسله على كرم الله وجهه رسولًا إلى معاوية، ثم اعتزل الفريقين ) ) (الإصابة، ج 1 ص 232) ، وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر رحمه الله عليه: (( فحبسه ـ أي جريرًا ـ معاوية مدة طويلة، ثم رده برق مطبوع غير مكتوب، وبعث معه من يخبر بمنابذته له في خبر طويل مشهور ) ). (الاستيعاب في معرفة الأصحاب مطبوع بهامش الإصابة، ج 1 ص 232) .
قلت: فمن أين لهم أنه لحق بمعاوية؟ وهل ذلك قدح يطعن به على الصحابة - رضي الله عنهم -، وتجرح به عدالتهم بعد تعديل الله لهم، ورضاه عنهم، فترد رواياتهم، وهم حملة الشرع ونقلة الدين؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!
ثم أن المسح على الخفين قد رواه أكثر من ثمانين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منهم العشرة، وليس فيه بين الصحابة اختلاف. لأن من روي عنه منهم إنكاره قد روي عنه إثباته، ولم ينقل عن أحد من فقهاء السلف إنكاره. وقد صرح جمع من الحفاظ أنه متواتر؛ ومن أنكره ليس له متعلق ولا أصل؛ فاشتهر بحمد الله، وصار شعارًا لأهل السنة. وعد ترك القول به شعارًا لأهل البدع من الخوارج والشيعة. (ابن العربي، العارضة، ج 1 ص 118، ابن الملقن الشافعي، عمر بن علي الأنصاري، الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، ط الأولى، 10 ج، تحقيق: عبد العزيز المشيقح، الرياض، دار العاصمة، 1317 هـ، 1997 م، ج 1 ص 617، ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ط ثانية، 13 ج، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418 هـ، 1997 م، ج 1 ص 404) .
(6) قلت: متى أجمع أهل البيت - رضي الله عنهم - على هذا؟ وكيف انعقد إجماعهم هذا الذي بزعمونه عليهم، وهم يتمذهبون بمختلف المذاهب الفقهية الشيعية منها والسنية؟ إلا أن يخصوا هذا الإجماع بمن كان منهم على مذاهب الشيعة سواء الإمامية أو الزيدية.
(7) الثمرات، ج 3 ص 65.