المبحث الثاني
ثمرات الاعتصام بحبل الله وويلات الفرقة والاختلاف
الاعتصام بحبل الله وصية الله سبحانه وتعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وأتباعه الذين آمنوا معه، والذين منَّ عليهم بنعمة الأخوة والهداية وآمنهم بعد خوف ويسَّر لهم إقامة دولة لهم على أرض المدينة المنورة بعد أن كانوا قلة مستضعفين، والتحذير من الفرقة والاختلاف وصية الله أيضًا لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولأمته حتى لا يبددوا قوتهم ويضعفوا جمعهم ويصبحوا لقمة سهلة وصيدًا ثمينًا يتكالب عليهم الأعداء من كل حدب وصوب فكانت هذه الوصايا الثمينة من الله للمسلمين الأوائل ولأمة الإسلام في كل زمان إلى قيام الساعة لما للاعتصام بحبل الله من ثمرات وما للفرقة والاختلاف من ويلات.
المطلب الأول: ثمرات الاعتصام بحبل الله:
للاعتصام بحبل الله ثمرات عظيمة في الدنيا والآخرة بيَّنها الله سبحانه في كتابه وهي:
أولًا: الامتثال لأمر الله:
فاعتصام الأمة بحبل الله والالتفاف حول دينهم فيه امتثال لأمر الله وسمع وطاعة له والرضا بما ارتضاه، فالله سبحانه وتعالى لا يأمر إلا بخير ولا يحذر إلا من شر حين يقول: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا } [1] .
أي تعلقوا بأسباب الله جميعًا، وتمسكوا بدينه الذي أمركم به، وعهده الذي عهده إليكم في كتابه من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله فقد كره الله لكم الفرقة وحذركموها ونهاكم عنها ورضي لكم السمع والطاعة والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم [2] .
يقول الإمام الفخر الرازي حول معنى الاعتصام بحبل الله:"واعلموا أنه تعالى لما أمرهم بالاتقاء عن المحظورات أمرهم بالتمسك وبالاعتصام بما هو كالأصل لجميع الخيرات والطاعات وهو الاعتصام بحبل الله، واعلم أن كل من يمشي على طريق دقيق يخاف أن تنزلق رجله فإذا تمسك بحبل مشدود الطرفين بجانبي ذلك الطريق أمن من الخوف، ولا شك أن طريق الحق طريق دقيق، وقد انزلق أرجل الكثير من الخلق عنه، فمن اعتصم بدين الله وبنياهه"
(1) سورة آل عمران: الآية 103.
(2) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، لابن جرير الطبري، ج 4، ص 31 - 33.