الصفحة 16 من 32

المؤمنين وفي لفظ (مع) إيماء إلى فضيلة من آمن من أول الأمر ولم يصم نفسه بالنفاق لأن (مع) تدخل على المتبوع وهو الأفضل [1] .

ويقول الإمام القرطبي: هذا استثناء ممن نافق، ومن شرط التائب من النفاق أن يصلح في قوله وفعله ويعتصم بالله أي يجعله ملجأ ومعاذًا، ويخلص دينه لله وإلا فليس بتائب قال الفراء: معنى"فأولئك مع المؤمنين"أي من المؤمنين [2] .

ويقول الإمام النسفي في معنى الآية: نزلت هذه الآية تتحدث عن المنافقين الذين تابوا من نفاقهم، وأصلحوا ما أفسدوا من أسرارهم وأحوالهم في حال النفاق واعتصموا بالله ووثقوا به كما يثق المؤمنون الخلص، وأخلصوا دينهم لله لا يبتغون بطاعتهم إلا وجهه، فأولئك مع المؤمنين وهم أصحابهم ورفاقهم وفي معيتهم في الدارين الدنيا والآخرة [3] .

فهذه بعض ثمرات الاعتصام بحبل الله فما أحوجنا إلى الامتثال لأمر الله والاعتصام بحبله وأن نتعرف على الله في الرخاء حتى يتعرف علينا وقت الشدة، وما أحوجنا أن نلجأ إليه سبحانه ليمنحنا الهداية الإلهية إلى صراطه المستقيم، وما أحوجنا إلى رحمات الله ونيل فضله لنكون في معية المؤمنين في الدارين فكل هذه الثمرات وعد بها رب العزة والجلال إذا اعتصمنا بحبله والتزمنا بشرعه ووثقنا بوعده.

المطلب الثاني: ويلات الفرقة والاختلاف:

نهى الله سبحانه وتعالى أمة الإسلام عن الفرقة والاختلاف وحذر من الاكتواء بويلاتها مذكرًا بما حصل للأمم السابقة من جراء فرقتهم ومحذرًا من الويلات التي تنجم عن ذلك والتي من أخطرها:

أولًا: التشبه بالكافرين من أبناء الأمم الماضية:

كما قال سبحانه: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [4] .

"ينهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يكونوا كالأمم الماضين في افتراقهم واختلافهم وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع قيام الحجة عليهم" [5] .

(1) انظر: التحرير والتنوير، لابن عاشور، م 3، ج 5، ص 244.

(2) انظر: الجامع لأحكام القرآن، ج 5، ص 423.

(3) مدارك التنزيل وحقائق التأويل، ج 1، ص 291، 292،"بتصرف".

(4) سورة آل عمران: الآية 105.

(5) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج 1، ص 390.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت