فما فرغ منها النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ألقوا السلاح، وعانق بعضهم بعضًا، وقوله:"ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، أي من يتمسك بالدين فلا يخش عليه الضلال، وفي هذا إشارة إلى التمسك بكتاب الله ودينه لسائر المسلمين الذين لم يشهدوا حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ذلك هو السبيل في عصمة المسلمين من كيد أعدائهم من المشركين وأهل الكتاب الذين يحاولون جاهدين في الإيقاع بين المسلمين كما كانوا يفعلون زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - [1] ."
فطاعة أهل الكتاب تحمل معنى الهزيمة الداخلية، والتخلي عن دور القيادة الذي من أجله أنشئت الأمة المسلمة، وهم أيضًا لا يحرصون على شيء حرصهم على إضلال هذه الأمة عن عقيدتها وإثارة الفتن والقلائل بين أبنائها، ويبذلون في سبيل ذلك كل ما في وسعهم من مكر وحيلة وقوة وعدة، وحين يعييهم أن يحاربوا الإسلام بأنفسهم يجندون من المنافقين المتظاهرين بالإسلام، أو ممن ينتسبون زورًا إليه لتنخر لهم في جسمه وجسم أتباعه من داخل الدار، فالاعتصام بالله والالتفاف حول دينه والتمسك بكتابه والوثوق بوعده يعصم الأمة من مكايدهم ومخططاتهم وإذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد استوفى أجله، واختار الرفيق الأعلى، فإن آيات الله باقية، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باق، ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن كما خوطب به الأولون، وطريق العصمة بيّن ولواء العصمة مرفوع، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم [2] .
وهي ثمرات الاعتصام بالله كما يقول سبحانه: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [3] .
والمراد آمنوا بالله في ذاته وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه واعتصموا به في أن يثبتهم على الإيمان، ويصونهم عن نزغ الشيطان، ويدخلهم في رحمة منه وفضل، ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا فوعد الله المعتصمين به بأمور ثلاثة: الرحمة والفضل والهداية، قال ابن عباس رضي الله عنهما: الرحمة الجنة، والفضل ما يتفضل به عليهم مما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا يريد دينًا مستقيمًا [4] .
(1) التحرير والتنوير، م 3، ج 4، ص 28،"بتصرف".
(2) انظر: في ظلال القرآن، للأستاذ سيد قطب، ج 1، ص 438، 439.
(3) سورة النساء: الآية 175.
(4) انظر: التفسير الكبير ومفاتيح الغيب، م 6، ج 11، ص 122.