الصفحة 15 من 32

ويقول الإمام الحافظ ابن كثير في تفسير الآية:"الذين آمنوا بالله واعتصموا به جمعوا بين مقامي العبادة والتوكل على الله في جميع أمورهم فهؤلاء يرحمهم الله ويدخلهم الجنة ويزيدهم ثوابًا ومضاعفة ورفعًا في درجاتهم من فضله عليهم وإحسانه إليهم، ويهديهم إليه صراطًا مستقيمًا أي طريقًا واضحًا لا اعوجاج فيه ولا انحراف وهذه صفة المؤمنين في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا على منهاج الاستقامة وطريق السلامة في جميع الاعتقادات وفي الآخرة على صراط الله المستقيم المفضي إلى روضات الجنان" [1] .

ويتحدث الأستاذ سيد قطب عن علاقة التلازم والتوافق بين الإيمان والاعتصام فيقول: والاعتصام بالله ثمرة ملازمة للإيمان به، متى صح الإيمان، ومتى عرفت النفس حقيقة الله، وعرفت حقيقة عبودية الكل له، فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده، وهو صاحب السلطان والقدرة وحده، فهؤلاء يدخلهم الله في رحمة منه وفضل، رحمة في هذه الحياة الدنيا قبل الحياة الأخرى، وفضل في هذه العاجلة قبل الفضل في الآجلة فالإيمان هو الواحة الندية التي تجد فيها الروح الظلال من هاجرة الضلال في تيه الحيرة والقلق والشرود، كما أنه هو القاعدة التي تقوم عليها حياة المجتمع ونظامه، فالذين آمنوا بالله واعتصموا به في رحمة من الله وفضل في حياتهم الحاضرة وفي حياتهم الآجلة، وكلمة إليه في قوله: {وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} تخلع على التعبير حركة مصورة، إذ ترسم المؤمنين ويد الله تنقل خطاهم في الطريق إلى الله على استقامة، وتقربهم إليه خطوة خطوة، وهي عبارة يجد مدلولها في نفسه من يؤمن بالله على بصيرة، فيعتصم به على ثقة حيث يحس في كل لحظة أنه يهتدي، وتتضح أمامه الطريق، ويقترب فعلًا من الله كأنما هو يخطو إليه في طريق مستقيم [2] .

رابعًا: استحقاق معية المؤمنين ومرافقتهم في الدارين:

فهذه أيضًا شهادة من الله لمن اعتصم بحبل الله وتمسك بدينه وأخلص عمله فيه بأنه مع المؤمنين كما يقول سبحانه: {إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [3] .

جاءت هذه الآية الكريمة بعد الحديث عن المنافقين وما يستحقون من الله من عذاب يوم القيامة فهم أشد الناس عذابًا وفي الدرك الأسفل من النار إلا الذين تابوا منهم وأصلحوا عملهم واعتصموا بالله وأخلصوا لدينهم بحيث لم يشبه عملهم بتردد ولا تربص بانتظار من ينتصر من الفريقين المؤمنين والكافرين، فأخبر أن من صارت حاله إلى هذا الخير فهو مع

(1) تفسير القرآن العظيم، ج 1، ص 592.

(2) انظر: في ظلال القرآن، ج 2، ص 823.

(3) سورة النساء: الآية 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت