الصفحة 17 من 32

ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: قوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} معطوف على قوله {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر} وفي هذا تمثيل لحال التفرق في أبشع صوره المعروفة لديهم عن مطالعة أحوال اليهود وفيه إشارة إلى أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يفضي إلى التفرق والاختلاف إذ تكثر النزاعات والنزغات وتنشق الأمة بذلك انشقاقًا شديدًا.

وأريد بالذين تفرقوا واختلفوا الذين اختلفوا في أصول الدين من اليهود والنصارى من بعد ما جاءهم من الدلائل المانعة من الاختلاف والافتراق، وقدم الافتراق على الاختلاف للإيذان بأن الاختلاف علة التفرق وهذا من المفادات الحاصلة من ترتيب الكلام وذكر الأشياء مع مقارناتها وفيه إشارة بأن الاختلاف المذموم هو الذي يؤدي إلى الافتراق، وهو الاختلاف في أصول الدين الذي يفضي إلى تكفير بعض الأمة بعضًا أو تفسيقه دون الاختلاف في الفروع المبنية على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار والأعصار وهو المعبر عنه بالاجتهاد، ونحن إذا تقصينا تاريخ المذاهب الإسلامية لا نجد افتراقاُ نشأ بين المسلمين إلا عن اختلاف العقائد والأصول دون الاختلاف في الاجتهاد في فروع الشريعة [1] .

ثانيًا: الفشل وذهاب القوة:

كما بين الله سبحانه وتعالى وهو ينهي عن الفرقة والتنازع والاختلاف أن مآل ذلك كله هو فشل الأمة وضعفها وهوانها على أعدائها وذلك في قوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [2] .

"المعنى ولا تختلفوا فإن التنازع والاختلاف يوجب الفشل والضعف والجبن، وقوله تعالى: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} يعني قوتكم" [3] .

فالناس يتنازعون حين تتعدد جهات القيادة والتوجيه، وحين يكون الهوى المطاع هو الذي يوجه الآراء والأفكار، فإذا استسلم الناس لله ورسوله انتفى السبب الأول الرئيس للنزاع بينهم - مهما اختلفت وجهات النظر في المسألة المعروضة - فليس الذي يثير النزاع هو اختلاف وجهات النظر، إنما الهوى الذي يجعل كل صاحب وجهة يصر عليها مهما تبين له وجه الحق، وإنما هو وضع الذات في كفة والحق في كفة وترجيح كفة الحق، عندئذ يزول التنازع ويتلاشى الخلاف ويحل الوفاق والوئام مكان النزاع والصدام فيبقى للدين هيبته

(1) انظر: التحرير والتنوير، م 3، ج 4، ص 42، 43.

(2) سورة الأنفال: الآية 46.

(3) لباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن، ج 2، ص 317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت