13 -وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ... } [1] .
14 -وقوله: {وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [2] .
15 -وقوله: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ} [3] .
وبالنظر إلى الآيات السابقة - سواء التي حثت على الاعتصام بحبل الله أو التي حذرت من الفرقة والاختلاف ونهت عن التنازع الذي يؤدي إلى الفشل وذهاب القوة والهيبة - نلاحظ أن جميع هذه الآيات مدنية أي أنها نزلت بعد هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وإقامة دولة الإسلام على أرضها، وألمس في ذلك إشارتين:
الإشارة الأولى: للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأصحابه بأن اعتصامهم بحبل الله هو سبب من أسباب بناء دولتهم ونشأتها وإظهاره على أعدائه بعد تلك السلسلة من العذابات التي تعرض لها هو وأصحابه في مكة وتلك الهجرات المتتالية بدءًا بالهجرة الأولى إلى الحبشة ومرورًا بالهجرة الثانية إليها، وهجرته - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف وانتهاء بالهجرة إلى المدينة المنورة، كما كان في هذه الآيات المدنية أيضًا تحذير للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من الفرقة والاختلاف لأن ذلك سيؤدي إلى الضعف بعد القوة وإلى الفشل والهزيمة بعد النجاحات والنصر والتمكين.
الإشارة الثانية: إلى أبناء أمة الإسلام بأن يعتصموا بحبل الله ويلجأوا إليه ويحتموا بجنابه حتى يعودوا إلى مجدهم وعزهم، فلا يمكن أن تقوم لهم قائمة إلا بالسير على خطى الحبيب محمد - صلى الله عليه وسلم - ولن تعود إلى الأمة عزتها وكرامتها إلا إذا اعتز أبناؤها بالإسلام ونبذوا الفرقة والخلافات وأصبحوا على قلب رجل واحد فلن تنصر أمة الإسلامة ولن يتحقق وعد الله لها إلا بنصرة دينه كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [4] .
إنَّ نعم الله علينا عظيمة، وأعظم هذه النعم بعد نعمة الإيمان والهداية هي نعمة الأخوة في الله التي جعلت أبناء أمة الإسلام تربطهم علاقة متينة راسخة هي علاقة الدين التي هي أقوى من علاقة النسب، وهي العلاقة التي جعلت المسلمين جميعًا كالجسد الواحد إذا اشتكى
(1) سورة الأنعام: الآية 159.
(2) سورة الروم: الآية 31 - 32.
(3) سورة التوبة: الآية 107.
(4) سورة محمد: آية 7.